الدكتور سمير نعيم يتساءل:
هل نحن عقلاء حقًا؟
لا يمكن لأحد أن يتصور شخصا يتمسك بالحياة وفى نفس الوقت يدس السم لنفسه فى الطعام أو الشراب مع علمه أنه سم قاتل أو يشوه جسده أو يحرق ويدمر ممتلكاته بيده، وإذا فرض وتصورنا وجود هذا الشخص فإنه لا يمكننا تصور أن كل المحيطين به سوف يدعونه يستمر فى ذلك وخاصة إذا كان ما يلحقه من دمار لنفسه سوف يطولهم بدرجة أو بأخرى.
قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة أن مثل هذا الشخص مجنون ومختل عقليا وأن الجماعة المحيطة به جميعها تعانى من مثل هذا الخلل العقلى، ولكن ماذا نقول إذا كانوا جميعا يعتبرون أنفسهم من العقلاء؟
أرجو ألا يصدم القارئ إذا ما قلت له إن هذا الشخص هو أنت وأنا وكل المحيطين بنا فى هذا المجتمع على الرغم من أننا جميعا نعتبر أنفسنا عقلاء!
فكل منا يأتى من السلوكيات ما هو مهلك لنفسه ولغيره وما هو مهدر لثروته ولثروة المجتمع مدمر لاقتصاده، كما أن كلا منا يغض الطرف عما يأتيه الآخرون من مثل هذه السلوكيات التى يصعب حصرها جميعا هنا.. ولهذا سأكتفى بعرض أكثر نماذجها خطورة ووضوحا.
لنبدأ بنموذج مهلك للإنسان والحيوان والنبات فى آن واحد ولأغلى ثروة مادية تملكها مصر، مياه نهر النيل، الذى مصر كلها هبته كما قال هيرودوت.
ألسنا جميعا إما مشاركين أو متواطئين ولو بالسكوت فى تلويث مياه هذا النهر العظيم بالنفايات تارة وبالمبيدات تارة أخرى؟ أوليس ذلك تسميما متعمدا لطعام كل البشر والكائنات الحية فى مصر، بما فى ذلك مرتكبو هذه الجريمة أنفسهم والعالمون بها والساكتون عليها؟
أليست المصانع المقامة على ضفاف هذا النهر العظيم من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال مستمرة فى إلقاء مخلفاتها السامة فيه؟
ألا يستخدمه المواطنون الذين يعيشون على ضفافه كقناة للصرف الصحى ومستودع للنفايات والحيوانات النافقة؟
ألا نعرف أن كل وسائل تكرير تلك المياه التى نشربها تعجز عن تخليصها من المواد السامة المذابة فيها؟
ألا نعرف أن حالات الفشل الكلوى قد انتشرت انتشارا ذريعا بين المصريين وأودت بحياة الألوف منهم؟
ألا نعرف أن الثروة السمكية فى نهر النيل قد تقلصت بفعل هذه السلوكيات غير العقلانية؟
ألسنا على علم بأن جميع المحاصيل الزراعية التى تتغذى عليها وجميع اللحوم التى نأكلها تروى بمياه النيل الملوثة بالسموم؟
الكل هنا فاعل والكل مفعول به...فالذى يسمم المياه يشربها ويتغذى على ما ارتوى بها والذى يسكت على ما يراه ويسمعه مشارك فى هذه الجريمة ضد نفسه وضد غيره...يستوى فى ذلك الجميع.
إذا صعدت إلى قمة جبل المقطم أو أعلى برج القاهرة ونظرت إلى المدينة فماذا ترى؟
غمامة سوداء داكنة تلف المدينة بأسرها وبكل أحيائها الفقيرة والغنية على السواء، عادم السيارات ودخان المصانع والأتربة المتصاعدة من كل مكان وتلك التى تطلقها مصانع الأسمنت تهبط جميعها لتدخل مع الهواء الذى نستنشقه إلى صدورنا، وتصيب بصرنا بل وسمعنا بالمرض العضال..ألا نشارك جميعا فى قتل أنفسنا إما بالفعل أو بالتغاضى؟ كم يكلف العلاج والدواء وضعف القوى العاملة بفعل المرض الاقتصاد المصرى؟
وإذا ما تجولت فى شوارع مدننا وقرانا فستجد معظم الطرقات تمتلئ بالقاذورات ولا تكاد تلمح أثرا لعمليات النظافة اليومية سواء من قبل المسئولين عنها أو من قبل المواطنين الذين يتعايشون معها دون أدنى تململ، وتمرح الحشرات والحيوانات الضارة فيها ناقلة الأمراض للبشر. ولم يعد هناك وجود لأى سلال للمهملات، بل وحتى لدورات المياه، فى كل شوارع مدننا وأحيائها المختلفة ناهيك عن قرانا.
الكثير من شوارع الأحياء الشعبية تعانى من طفح مياه الصرف وتمتلئ بالحفر والمطبات التى تعرض السيارات والمارة على السواء للخطر، ولم تعد هناك أرصفة للمشاة مما يضطرهم للسير بين السيارات، وليست هناك أماكن مخصصة لعبورهم ناهيك عن فوضى المرور واستهانة الجميع بقوانينه بدءا من السرعة إلى السير فى عكس الاتجاه وعدم احترام الإشارات الضوئية..إلخ.
والمواصلات العامة تبدو أنها تتعمد قتل أو إصابة البشر بعاهات، فسائق المركبة لا يقف فى المحطات لكن يدع الناس يجرون وراء السيارة للحاق بها والقفز منها، وسيارات الإسعاف والحريق والشرطة لا أحد يعطيها أولوية المرور وفى معظم الأحوال تقف محاصرة عاجزة عن إغاثة المستغيث بها مهما كانت حالته، وحالات كثيرة من أسلاك كهرباء صاعقة عارية وبالوعات كم من بشر ابتلعت. وهنا نجد أن الكل فاعل والكل مفعول به.
أى أن الكل قاتل ومقتول بالفعل المباشر العمدى مع سبق الإصرار والترصد ضد ذاته وضد غيره أو بالتغاضى أو الامتناع حسب التعبير القانونى.
أما أبسط بديهيات تحقيق السلامة والأمن التى يدركها أبسط عاقل فإنها غائبة عن معظم جوانب حياتنا، سواء فى منازلنا أو أماكن عملنا أو الأماكن العامة..وتكفى الإشارة إلى الافتقار إلى أى وسائل لمواجهة الحرائق فى الغالبية العظمى من الأبنية فى مصر، وإن وجدت فإنها إما أن تكون غير صالحة للاستعمال أو لا يوجد من تدرب على استخدامها.
هذه بعض النماذج الصارخة للسلوكيات المجنونة والقاتلة والمدمرة فى حياتنا اليومية.. وهناك نماذج سلوكية أخرى تتحمل مسئوليتها بالدرجة الأولى فئات بعينها وبالدرجة الثانية جميع المواطنين والمؤسسات لتغاضيها عنها أو حتى التستر عليها..منها على سبيل المثال الاتجار فى الأغذية، بل وحتى الأدوية والسلع الفاسدة والمخدرات، دون أن تدرك كل فئة أنها وإن كانت تهلك غيرها بسلعها، فإنها تهلك فى نفس الوقت بسلع غيرها. فتاجر الأغذية الفاسدة قد تهلكه قطع غيار سيارة فاسدة أو قد يهلك أبناءه ما يروجه تاجر المخدرات من سموم. والموظف المسئول الذى يتغاضى ويتستر على أى منهم سيقع حتما ضحية لأى من هذه السلع ولن ينفع أى منهم ما جناه من وراء سلوكه هذا.
هذه السلوكيات المدمرة تهدد مستقبل مجتمعنا بأسره وكلها تدل على غياب المنطق أو العقل الذى يرقى إلى درجة الجنون..ولكن ما الذى وراء هذا الخلل العقلى؟
أرى أن وراء هذا كله جنون الجشع وجنون السلطة الذى أفقدها أى رؤية أو هدف عام، والذى أفسد الإدارة الحكومية وأفقدها القدرة على التفكير العقلانى لدرجة قيامها ببناء قرية أوليمبية كاملة فوق مخرات السيول فى شمال سيناء، مما أغرقها وأغرق معها المواطنين..وهو فعل مجنون بكل مقاييس العقل، وكذلك تغاضيها عن كل الأفعال المدمرة التى يرتكبها السفهاء منا..ولكن كيف نواجه كل هذا الجنون؟ الإجابة: «الديمقراطية الحقة هى السبيل الوحيد لاستعادة العقل المفقود».
إننا اليوم فى أشد الحاجة إلى جبهة شعبية تخوض النضال ضد الجنون، فيا عقلاء مصر اتحدوا.
نشرت بجريدة الشروق المصرية عدد السبت 6 مارس 2010
