علم اجتماع الثورة
نحو علم اجتماع ثوري في العالم العربى

الأحد، 7 أغسطس 2011

بين محاكمة مبارك ومحاكمة النظام

الدكتور سمير نعيم يكتب:
بين محاكمة مبارك ومحاكمة النظام

تمثل المحاكمة العلنية للرئيس المخلوع محمد حسني السيد مبارك ونجليه مع بعض كبار رموز النظام بتهم قتل الثوار و الفساد علامة فارقة في التاريخ المصري من حيث أنها انتصار لإرادة الشعب و خطوة علي طريق تحقيق أهداف الثورة بصفة عامة و إرساء دولة القانون الذي يطبق علي كل المواطنين دون تمييز بصفة خاصة .

ولو أن هذه الخطوة كانت قد اتخذت فور نجاح الثورة في خلعه يوم 11 فبراير لجنبت مصر الكثير من عدم الإستقرار و القلق بل و إراقة دماء المزيد من شهداء الثورة . ويجب أن يكون في ذلك عبرة لكل مسؤول يتسبب في إرجاء اتخاذ الإحراءات لتحقيق مطالب الثورة . و أهمها إسقاط النظام الذي شيدته العصابات الحاكمة ومكنها من نهب ثروات مصر و الإستئثار بالسلطة و إفقار و إذلال الشعب .

و أعني بالنظام ترسانة القوانين التي تحكم أداء مختلف مؤسسات الدولة الإقتصادية و السياسية و الإجتماعية و الثقافية و التي سنها المجلس النيابي الذي كان يتشكل بانتخابات صورية مزورة لتكون أغلبيته غير ممثلة للشعب ويكون كل همها إضفاء الشرعية علي أعمال النهب المنظمة في مقابل ما يحصلون عليه من حصص فيما ينهب إضافة إلي كل اللوائح و القرارات التي يصدرها الوزراء لتنظيم العمل في وزاراتهم دون رقيب أو حسيب .وهذا هو النظام الذي ثار الشعب من أجل إسقاطه فهو لم يثر لمجرد الإطاحة برئيس أو برجال بعينهم لكي يأتي بغيرهم بنفس القواعد ولكي يمارسوا الحكم بنفس القوانين التي سنها ترزية القوانين في عهد الرئيس المخلوع .

لذلك أري أننا أهدرنا الكثير من الوقت بفعل التباطؤ في القبض علي المجرمين و تحويلهم للتحقيق ثم المحاكمات و الإنشغال بتكوين الأحزاب والترشح لرئاسة الجمهورية وقضية الدستور أولا أم الإنتخابات و أهملنا محاكمة النظام أي فحص كل القوانين و اللوائح التي أصدرتها الجماعات الحاكمة . وكان الأجدي بنا أن نكون فرقا من المتخصصين في كل مجال من مجالات حياتنا تكون مهمتها فحص القوانين في مجالها و تحليلها و اقتراح التعديلات لها ثم عرضها للنقاش العام في مؤتمرات شعبية تمهيدا لإتخاذ إجراءات إصدارها .
و من أهم القوانين واللوائح التي تحتاج لفحص و تغيير فوري تلك المتعلقة باختيار القيادات في مختلف مؤسسات الدولة نظرا لأهميتها البالغة من حيث تأثير هذه القيادات علي سير المرحلة الحساسة القادمة فيما يتعلق بالإنتخابات لمجلس الشعب و الرئاسة .لقد وضع مبارك و رجاله نظاما لإختيار القيادات في كل مؤسسات الدولة بحيث يضمنون ولاءها لهم و تحقيق مصالحهم بغض النظر عن مصالح المجتمع وكان هذا النظام لا يعتمد علي أي قواعد موضوعية كما أنه لم يكن معلنا وكان الإختيار يتم علس أسس شخصية كالقرابة و المحسوبية و علي أساس ترشيحات أمن الدولة وعلي أساس مكافأة من يتفانون في تحقيق مصالح رجال الحكم وأقاربهم و أعوانهم .

من منا يعرف علي أي أساس يتم اختيار رئيس الحكومة و الوزراء ومن منا يعرف علي أي أساس يتم اختيار المحافظين و رؤساء المدن ورؤساء الأحياء . وعل أي أساس يتم اختيار رؤساء الجامعات و العمداء و كذلك رؤساء مجاس إدارة الصحف المسماة بالقومية و رؤساء التحرير بها و كذلك مختلف الرئاسات في الإذاعة و التليفزيون . هذه ثلاث قطاعات فقط اخترتها لأنها الأكثر تأثيرا و ربما حسما في المرحلة الحالية . و من الؤسف أن عملية اختيار هذه القيادات تتم بعد الثورة علي نفس الأساس الذي أرساه مبارك و رجاله .

فإذا ما أتينا للجانب الإقتصادي لراعنا كم القوانين التي صدرت لتمكين رجال الحكم و أعوانهم من نهب ثروات مصر .لابد من فحص ( محاكمة ) كل قوانين الخصخصة و بيع شركات القطاع العام و تلك التي شردت عشرات الآلاف من العاملين بها والقوانين المتعلقة بتخصيص وبيع أراضي الدولة و قوانين التصدير والإستيراد و الإستثمار عموما و الإعفاءات الضريبية والحدين الأدني و الأعلي للأجور والمفروض أن تكون قد تشكلت فرق من الإقتصاديين و القانونيين و العاملين في المجال الإقتصادي لمحاكمة ( فحص و تقييم ) كل هذه القوانين و إجراء التغييرات اللازمة عليها.

وفي مجال الخدمات العامة كالتعليم و الصحة و النقل و المواصلات ترسانات من القوانين التي كرست تدهور هذه الخدمات و خصخصتها مما حرم الشعب من الإستفادة منها وجعل التمتع بها قاصرا علي القادرين علي شرائها وهي في حاجة أيضا للفحص و التغيير .

ينطبق نفس الشيء علي مجالات الثقافة والإسكان والتعيينات في الوظائف الحكومية .... الخ,
وفي رأيي أنه لو لقي النظام بالمعني الذي حددته اهتمام الثوار و المجلس الأعلي للقوات المسلحة و الحكومة وتم إجراء التغييرات الأهم عليه لشعر المواطنون بالتغيير و لطرأ تحسن علي أحوالهم المعيشية و لجاءت الموازنة الجديدة للدولة علي نحو مخاف لما كانت عايه إبان حكم مبارك و رجاله ولتحقق استقرار مشجع عل الإنتاج و التنمية .

إن أهم مطلب من مطالب الثورة : إسقاط النظام لم يتحقق بل و مسكوت عنه حتي الآن ولا يمكن الرد بالقول أن هذه مهمة مجلس الشعب الذي ستأتي به الإنتخابات و مهمة الرئيس القادم ذلك أن هذا النظام الذي لم يسقط هو الذي سيحدد وفقا لقواعده و أهدافه تكوين و طبيعة هذا المجلس و أيضا نوعية الرئيس القادم بما يضمن استمرارية النظام مع تغيير الأشخاص . وفي رأيي و رأي الكثيرين غيري أنه لا داعي للعجلة في إجراء الإنتخابات والعمل الدؤوب والمكثف علي وضع أسس النظام الجديد ليحل محل النظام الذي ثار الشعب لإسقاطه وبالطبع يصبح من الضروري وفقا لهذا المنطق أن يكون الدستور أبو القوانين كلها أولا.

نشر بجريدة العربى الناصرية عدد 7 أغسطس 2011

الاثنين، 1 أغسطس 2011

مصر كما تستحق أن تكون

الدكتور سمير نعيم أحمد يكتب:
مصر كما تستحق أن تكون

كنت كلما سافرت إلى الخارج يزداد غضبى من النظام ورجاله، وأدعو الله أن يعجل بالثورة وبالإطاحة بهذا النظام الفاسد الذى يُهدر ثروات البلاد، ويهدر معها كرامة الإنسان المصرى وآدميته، ويعيق تقدمه وتطوره. ذلك أننى كنت دائم المقارنة بين أحوال الناس فى كل بلد أزوره وأحوال أهل بلدى، الذين أعتبرهم من أعظم شعوب العالم بفضل ما يتمتعون به من تراث حضارى عريق ومن خصال اكتسبوها وتوارثوها عبر تاريخهم الطويل تظهر وتتجلى عندما تتاح لهم الفرص الملائمة فى بلدهم أو فى الخارج فيبدعون علماً وأدباً وفناً وإنتاجاً يشهد لهم به العالم فى كل مكان، وقد تجلت هذه الخصال الرائعة للشعب المصرى أيام الثورة وحظيت بإعجاب العالم، واتخذ شباب أوربا من ثوار مصر نموذجاً يحتذى.

لقد كنت أتساءل دائماً: ماذا ينقصنا لكى نصبح مثل أى بلد متقدم؟، فلدينا كل مقومات الرقى والتقدم: ثروة بشرية تزيد على الخمس وثمانين مليوناً من البشر وأراض تبلغ مساحتها مليون كيلو متر مربع ومياه نهر النيل العظيم وبحيرات وشواطئ ومياه إقليمية لبحرين وموقع جغرافى متميز ومصادر هائلة من الطاقة المتجددة ومعادن فى باطن الأرض لم تستخرج. وكانت إجابتى: الذى ينقصنا نظام حكم وطنى رشيد غير عميل لأى قوى أجنبية، لديه رؤية لمستقبل مصر وقدرة على تحقيق الاستثمار الأمثل لإمكانات مصر المهدرة والمنهوبة. وكنت أستعيد دائماً تجربة ثورة يوليو ١٩٥٢ التى حققت إنجازات رائعة لمصر خلال ١٥عاماً فقط ولو لم يتم اجهاضها والانحراف بمسارها بفعل تكاتف القوى المحلية والإقليمية والدولية المعادية لأصبحت مصر الآن فى مصاف البلدان المتقدمة.

 وعندما قامت ثورة 25 يناير مطالبة بإسقاط النظام الفاسد ارتسمت فى مخيلتى صورة لمصر كما تستحق أن تكون بعد إقامة نظام وطنى مدنى رشيد وديمقراطى يكون الإنسان المصرى فيه هو الغاية والوسيلة لتحقيق الرفاهية والتقدم: مصر ذات الاقتصاد القوى الذى يوفر احتياجات البشر جميعاً ويوفر فرص العمل المنتج لكل قادر عليه والذى تختفى فيها الأمية ويكون فيها التعليم متاحاً للجميع حتى أعلى مراحله ويتسم بالجودة العالية وينمى قدرات الشباب الإبداعية وتختفى فيها العشوائيات ويتوفر السكن الملائم لكل إنسان فيها وتزدهر فيها العلوم والثقافة والفنون وتسودها العدالة الاجتماعية وتكافؤ فرص الحياة ويرتفع مستوى الخدمات الصحية ويتمتع فيها الإنسان بكل حقوقه ويسود فيها التسامح الدينى والإخاء ومبادئ المواطنة ويعيش فيها الإنسان فى بيئة نظيفة آمنة وتذوب فيها الفوارق بين الريف والحضر وبين الطبقات وتتمتع بمكانة دولية عالية تليق بها ويعود للمصرى احترامه وتقديره أينما ذهب بدلاً مما يتعرض له من امتهان ممن لا يملكون من دنياهم سوى المال.

هذه هى الصورة التى تستحق مصر أن تكون عليها وهى التى ثار الشعب المصرى من أجل تحقيقها والتى لا يريد أعداء الإنسانية أعداء الشعب وأعداء الثورة أن تتحقق ويحشدون كل طاقاتهم من أجل إجهاضها. إنهم لا يدخرون وسعاً فى اللجوء إلى أحط الأساليب لتزييف وعى الشعب باسم الدين تارة وباسم الاستقرار تارة أخرى وبتخوين الثوار تارة ثالثة ويُسخِّرون أبواقهم فى وسائل الإعلام لتحقيق أهدافهم الأنانية المحدودة والاستمرار فى احتكار السلطة والثروة إلا أنهم شديدوا الغباء والتخلف الفكرى ذلك أنهم ما زالوا عاجزين عن فهم حقيقة ما طرأ على العالم كله من تغيرات نظراً لجهلهم بحركة التاريخ وحقيقة نضج الشعب المصرى وكسره لحاجز الخوف وفهمه لألاعيبهم لدرجة أن أصبحوا مثاراً لسخرية الشعب منهم.


إن ميادين التحرير فى مصر كلها قد أثبتت قدرة الشعب على الصمود وعلى الإصرار على تحويل الصورة التى تجب أن تكون عليها مصر إلى واقع حى مهما كان الثمن كما أثبتت قدرته على فرز القوى المعادية له وكشفها وفضحها ولن يتمكن خفافيش الظلام وتحالفات القوة الغاشمة وأصحاب أو لصوص الأموال من إعادة عقارب الساعة إلى الوراء أبداً. كل ما يمكنهم عمله هو تأخير الانطلاق ولكنهم فى نفس الوقت يعجلون بنهايتهم فلصبر الشعب عليهم حدود.


نشر بجريدة العربى الناصرى عدد 31 يوليو 2011

حقوق الملكية الفكرية

Copyright Disclaimer
This site does not store any files on its server. We only index and link to content provided by other sites. Please contact the content providers to delete copyright contents if any and email us, we'll remove relevant links or contents immediately.
تنويه عن حقوق الملكية
هذا الموقع لا يخزن أية ملفات تخص الكتب الموجودة عليه، وإنما نحن نشير فقط إلى وصلات لكتب توفرها مواقع أخرى. وإذا كان أياً من محتويات الموقع يخالف شروط الملكية الفكرية فيرجى مراسلة المواقع المخزن عليها الملفات لحذفها، ومراسلتنا لحذف الوصلات التى تشير إليها.