علم اجتماع الثورة
نحو علم اجتماع ثوري في العالم العربى

الاثنين، 19 مايو 2008

لماذا نقتل أنفسنا؟

ثلاثون ألف مصري‏(‏ بين قتيل وجريح‏)‏ تسيل دماؤهم كل عام علي أسفلت الطرق في أنحاء الجمهورية‏,‏ أي حوالي مائة قتيل وجريح كل يوم‏(‏ كما لو كنا في حالة حرب‏),‏ فضلا عن خمسة مليارات جنيه خسائر سيارات مهشمة ونفقات علاج للمصابين وتعويضات تدفع للضحايا وساعات عمل مفقودة‏,‏ يضاف إلي ذلك تكلفة أحداث الشغب والعنف التي بدأت تتكرر عند مصرع مواطنين من أهالي القري الواقعة علي الطرق السريعة في الآونة الأخيرة‏.‏إنها كارثة مأساوية بكل معني الكلمة ولابد من وضع نهاية وحد فوري لها‏.‏فما من أحد منا إلا ويشعر بالخوف علي حياته وحياة أهل بيته كلما غادر بيته كل صباح إلي أي مكان يذهب إليه‏,‏ ففي كل خطوة علي الطريق تتربص كمائن الخطر والقضاء علي الحياة بكل منا‏,‏ لا فرق في ذلك بين وزير وخفير‏,‏ أو غني وفقير أو امرأة أو رجل أو طفل أو عجوز‏.‏إن جميع طرقنا سواء خارج المدن أو داخلها تعاني فوضي ضارية لا مثيل لها في أي بلد من بلدان العالم ويشي حالها بسيادة الاستهتار واللامبالاة والتسيب واهدار آدمية الإنسان‏,‏ مع سبق الإصرار والترصد‏.‏ وإلا كيف نفسر اختفاء الأرصفة من شوارع المدن وإجبار المشاة بمن فيهم الأطفال والعجائز علي السير في نهر الشارع وسط السيارات‏,‏ وانعدام خطوط عبور المشاة في كل الشوارع وبخاصة أمام المدارس والمعاهد وعلي الطرق السريعة وإجبار المشاة علي الجري أمام السيارات والقيام بحركات بهلوانية لتفادي القتل والإصابة؟وكيف نفسر انتشار الحفر والمطبات التي تجبر السائقين علي التأرجح بالطرق لتفاديها مما يشكل خطرا علي غيرهم؟وكيف نفسر غياب لافتات تحديد السرعة عن جميع شوارع مدننا وعن معظم الطرق السريعة؟وماذا نقول عن ترك السائق المستهتر والمتهور يقود سيارته بسرعة مجنونة في عكس الاتجاه علي الطرق السريعة دون أن يتصدي له أحد وتركه يقتل الآخرين والاكتفاء بتسجيل رقم سيارته لكي يدفع غرامة عند تجديد رخصته بعد عام إن كان علي قيد الحياة‏.‏وماذا نقول عن شق الطرق الدائرية والسريعة مخترقة التجمعات السكنية دون إقامة أنفاق أو كبار علوية لعبور المشاة؟وبماذا نعلل وقوف السيارات وأوتوبيسات النقل العام في عرض الطريق وبعيدا عن المواقف لنزول وصعود الركاب وتحركها أثناء صعودهم ونزولهم معرضة حياتهم للخطر؟هل رأي أحد منا سيارة شرطة تلاحق سائقا متهورا لتوقفه قبل أن يرتكب جريمة قتل عشرات المواطنين؟هل رأي أحد منا السيارات تفسح الطريق لسيارات الإسعاف والحريق لكي تنطلق مستجيبة لاستغاثة مريض أو مواطنين تهددهم النيران أو الجريمة ويكون لكل ثانية من الوقت قيمتها في فقدان أو انقاذ الأرواح؟وإذا كانت حياة البشر رخيصة إلي هذا الحد فمن الطبيعي أن تكون آدميتهم وهم أحياء أبعد ما يكون عن الاهتمام وإلا بماذا نفسر انعدام دورات المياه العمومية من جميع أنحاء الجمهورية مما يجبر المواطنين علي التصرف كالحيوانات‏,‏ وبماذا نفسر غياب لافتات أسماء الشوارع أو أرقام المنازل في مدننا مما يضيع وقت المواطنين في التوهان بل يسهم في تعطيل المرور ووقوع الحوادث‏.‏إنني لا أحمل مسئولية القتل اليومي الجماعي للبشر‏(‏ لا تخلو الجرائد كل يوم من نبأ مصرع عشرات المواطنين في الحوادث‏)‏ لأحد معين ولكن المسئولية تقع علينا جميعا لإهمالنا أو لسكوتنا عن الإهمال‏.‏ كلنا متواطئون في جرائم قتل أنفسنا وليس لنا عذر في ذلك علي الإطلاق‏.‏إن لدينا أكفأ مهندسي الطرق ومخططيها ولدينا أكفأ ضباط شرطة‏,‏ ولدينا عقول جبارة قادرة علي حل أعصي المشكلات‏(‏ مثل تجريف خط بارليف وعبور القناة‏).‏ ولدينا المستثمرون ورجال الأعمال بملياراتهم التي يمكن أن يسهموا ببعض قليل منها حفاظا علي أرواحهم وأسرهم ومواطنيهم‏.‏ ولدينا المواطنون الطيبون الذين يلتزمون بالنظام إذا ما وضع لهم‏(‏ كما يحدث في مترو الأنفاق‏)‏ولدينا المسئولون الذين سافروا للخارج وشاهدوا حال الطرق ونظم المرور واحترام آدمية الإنسان هناك‏,‏ ولدينا أكفأ المشرعين القادرين علي وضع التشريعات الملزمة لجميع الهيئات والمواطنين حفاظا علي الأرواح‏,‏ ولدينا مؤسسات المجتمع المدني كالاتحادات والنقابات والجمعيات الأهلية بكل امكاناتها‏.‏فماذا ينقصنا لنحفظ حياتنا وآدميتنا؟؟اقترح أن نبدأ فورا حملة قومية تحت شعار الحفاظ علي الحياة‏(‏ ولا أقول الرفق بالإنسان‏)‏ وفق خطة علمية مدروسة لا يتجاوز مدي تنفيذها بالكامل عاما واحدا علي أن تخضع حالة الطرق والمرور للرقابة الشعبية وذلك بتكوين جماعات تطوعية وإبلاغ الجهات المسئولة عن أي خلل بها يعرض حياة وسلامة المواطنين للخطر ومتابعة الإجراءات التي تتخذ لإصلاح الخلل‏.‏ ومن ناحية تبرز أهمية متابعة وسائل الإعلام اليومية لإنجازات الحملة القومية للحفاظ علي الحياة وعلي سلامة المواطنين والكشف عن جوانب القصور فيها‏.‏إننا جميعا نعلم علم اليقين أن مصر ستخسر ما يزيد علي الثلاثين ألف مواطن بين قتيل وجريح خلال عام من الآن‏,‏ ونعلم أيضا علم اليقين أن إنقاذ هذه الأرواح أو معظمها علي الأقل ممكن تماما لو توافرت لدينا إرادة الحياة وبدأنا فورا في اتخاذ الإجراءات العلمية والعقلانية لوقف نزيف الدماء مدركين أن التضحية بكل غال ورخيص في سبيل عدم إراقة نقطة دم واحدة مسئولية كل إنسان يعيش علي أرض هذا الوطن‏.‏إن تشديد العقوبات في قانون المرور الجديد لا يمكن أن يأتي بالنتيجة المرجوة ما لم نوفر لجهاز الشرطة جميع آليات تنفيذ القانون‏,‏ وما لم تقم كل الجهات المسئولة عن أحوال الطرق بواجبها علي أكمل وجه لجعلها طرقا آمنة للمواطنين جميعا‏,‏ ولابد من محاسبة كل مسئول يتسبب إهماله في مصرع البشر وإصابتهم علي طرقنا بتهمة القتل العمد‏.‏

سبل تعظيم التنوع الخلاق في مصر

يتميز المجتمع المصري بالتجانس العرقي والتجانس القومي‏,‏ وهو ما لا يتوافر لكثير من المجتمعات سواء علي المستوي الأقليمي أو الدولي ـ حيث تتسم تلك المجتمعات بالتنوع العرقي والقومي‏,‏ وهما من أشد أنماط التنوع إثارة للصراع والفرقة ومن أصعبها في التعامل البناء معها‏.‏فأهل مصر جميعا تقريبا من أصل عرقي واحد‏,‏ وشكلون قومية واحدة ذات تاريخ مشترك وثقافة عامة من أهم مقوماتها التوحيد واللغة والعادات والتقاليد والأعراف‏.‏ أي أن مصر يتوفر لها أعلي درجات الوحدة القومية التي انصهرت فيها كل الأقوام الوافدة عليها‏.‏ ولهذا فشلت كل المحاولات الخارجية لتقسيم مصر كما حدث في العديد من البلدان الأفريقية والآسيوية بصفة خاصة‏.‏ويتطلب الاستثمار الأمثل للإمكانات البشرية إطلاق العنان للطاقات والامكانات الكامنة لدي كل قطاعات الشعب المصري وتحقيق أقصي درجة من التنوع الخلاق في قدراتهم الابداعية في مجالات العلم والتكنولوجيا والفنون‏.‏ إلا أن ذلك في حد ذاته يتطلب في نفس الوقت العمل علي تحقيق حد من التجانس أو التكافؤ في فرص الحياة والظروف المعيشية لمختلف قطاعات الشعب المصري بحيث تتحول أنماط من التنوع الاجتماعي من عامل معوق للنهضة والتنمية إلي عامل دافع وداعم لها‏.‏ ونعني بذلك تقليل حدة التفاوت بين قطاعات الجمهور المتنوعة علي أسس اقليمية‏(‏ الجنوب والشمال‏)‏ أو اقتصادية‏(‏ الريف والحضر من جهة والفقراء والأغنياء من جهة أخري‏)‏ أو بيولوجية اكسبت طابعا اجتماعيا واقتصاديا‏(‏ الرجال والنساء من جهة والأطفال والشباب وكبار السن من جهة أخري‏).
‏‏1‏ ـ التنوع الريفي‏/‏ الحضري والتعامل البناء معه:
من الطبيعي أن يتوزع أهل مصر علي النشاط الإنتاجي‏(‏ عصب الحياة‏)‏ ما بين الانتاج الزراعي‏(‏ في القري‏)‏ والإنتاج الصناعي والتجاري‏(‏ في المدن‏)‏ ولكن من غير الطبيعي أن يرتبط بهذا التنوع تفاوت حاد في فرص الحياة والظروف المعيشية بين هذين القطاعين من الشعب‏.‏ومما يدلل علي صحة مقولة أن تقليل حدة التفاوت بين الريف والحضر يؤدي إلي بروز التنوع الخلاق في قدرات أهل الريف أن ما بذلته الدولة من جهود خلال نصف القرن الماضي للارتقاء بالريف المصري كادخال الكهرباء وشبكات المياه النقية وانتشار المدارس والجامعات والخدمات الصحية قد أدي إلي درجة لا بأس بها من التنوع الخلاق في قدرات وإمكانات وأنشطة أهل الريف فزودوا مصر بالعديد من المبدعين في مختلف المجالات‏(‏ أساتذة بالجامعات وأدباء وفنانين ومهنيين وحرفيين‏).‏ ويحفزنا ذلك إلي التأكيد علي ضرورة الاسراع بتنمية القرية المصرية‏(‏ لا ندري أين وكيف اختفي مشروع شروق؟‏)‏ فمازالت الإحصاءات الرسمية تبين التفاوت الكبير بين الريف والحضر‏.
‏‏2‏ ـ تنوع الفقر والغني‏:‏
ارتبط تقدم الإنسانية جمعاء وتقدم المجتمعات المعاصرة بتقليل التفاوت الحاد بين الطبقات الاجتماعية‏.‏ وتتسم المجتمعات الصناعية الرأسمالية المتقدمة المعاصرة بدرجة من التفاوت بين الفقراء والأغنياء أقل بكثير من التفاوت الذي يسود مجتمعات العالم الثالث في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية كما أن التفاوت في بلدان الغرب بين الفقراء والأغنياء تفاوت كيفي وليس تفاوتا كميا كما هو الحال في بلداننا‏..‏فالتفاوت بين الفقراء والأغنياء بالنسبة للتعليم مثلا هو اختلاف في عدد سنوات الدراسة‏(‏ كمي‏)‏ وليس في الأمية‏/‏ التعليم‏:‏ كيفي‏)‏ كما أن التفاوت بينهم يكون في عدد كيلووات الكهرباء التي يستخدمونها‏(‏ وليس في انعدامها أو وجودها‏)‏ وفي عدد مرات التردد علي المسارح أو دور السينما أو المتاحف أو المصايف وليس في انعدامها أو توفرها‏...‏ الخ‏.‏ومن الدروس المستفادة في التاريخ المصري تجربة مجانية التعليم في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينيات في مصر وما حاولت الثورة تطبيقه بشعارها تذويب الفوارق بين الطبقات في الستينيات مما كان له انعكاساته الإيجابية علي الفقراء الذين خرج من بين صفوفهم العديد من علماء مصر وأساتذة الجامعات بها وأدبائها وفنانيها‏.
‏‏3‏ ـ التنوع البيولوجي‏/‏ الاجتماعي‏:
‏أ ـ الذكر‏/‏ الأنثي‏(‏ الرجل‏/‏ المرأة‏):
‏ينقسم البشر إلي ذكور وإناث مثل غيرهم من الكائنات الحية إلا أن الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يخلع أدوارا اجتماعية محددة ومتميزة ومختلفة لكل من الذكر والأنثي تؤدي إلي الإشارة إليها بلفظي الرجل والمرأة‏,‏ ويحدد المجتمع السلوك الأمثل المتوقع من الرجل والمرأة وحقوق وواجبات كل منهما والمكانة النسبية لهما بل وما هو أكثر من ذلك‏:‏ يحدد أيضا فرص لحياة المتاحة لكل منهما ودرجة امكانية التمتع بها‏.‏ ومع أن الرسالات السماوية لم ترتب علي التنوع البيولوجي بين البشر أية تفرقة بين الذكر والأنثي في فرص الحياة وحقوقهما الإنسانية إلا أن النظم الاجتماعية المختلفة خلقت تفاوتا بدرجات مختلفة بين الرجل والمرأة في فرص الحياة والحقوق الإنسانية لصالح الرجل‏.‏تثبت لنا المقارنة بين المجتمعات المختلفة مرة أخري الارتباط الوثيق بين تقدم المجتمع من جهة وتقليل حدة التفاوت بين الرجل والمرأة من جهة أخري‏.‏كما تثبت لنا المقارنة بين فترات تاريخية للمجتمع المصري أنه مع تزايد تقليل التفاوت في فرص الحياة والحقوق الإنسانية بين الرجل والمرأة تتزايد درجة التنوع الخلاق لدي النساء‏,‏ فمع ارتفاع نسبة تعليم النساء في مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين وارتباطه بتحسين أحوال الفقراء وانتشاره بالريف المصري حيث تعيش أغلبية النساء خرجت من بين نساء مصر أعداد متزايدة من المبدعات في مجالات العلم والأدب والفن وازدادت نسبة مشاركتهن في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية‏.‏
ب ـ الفئات العمرية‏:‏
يتصف المجتمع المصري بأنه مجتمع فتي‏,‏ نظرا لاتساع قاعدة الهرم السكاني بفعل ارتفاع معدل المواليد‏.‏ كما أنه يتسم بالضيق الشديد لقمته‏(‏ كبار السن‏)‏ نظرا لأن العمر المتوقع عند الميلاد في مصر مازال في حدود‏62‏ عاما‏.‏وغني عن الذكر أن الطفولة صانعة المستقبل ومن هنا فإن توفير أفضل الظروف للنمو البدني والعقلي والاجتماعي السوي لأطفال مصر سوف يوفر لها‏,‏ حين يشبون عن الطوق‏,‏ إمكانات بشرية خلاقة تتسم بالتنوع الإبداعي في كافة المجالات‏,‏ ومع أن الدولة تبذل جهودا كبيرة لتوفير التعليم الأساسي لكل أطفال مصر إلا أن نسبة التسرب من التعليم بفعل الفقر أساسا مازالت مرتفعة مما يجعلهم منبعا للأمية في المستقبل‏,‏ كما أن الجهود الحميدة التي تقوم بها السيدة سوزان مبارك من أجل الطفولة ونشر مكتبات الطفل تحتاج إلي مزيد من الدعم الإيجابي والبناء من كافة قطاعات المجتمع أملا في أن نتمكن من توفير التعليم لكل أطفال مصر وخاصة بالريف والمناطق الشعبية وتوفير الرعاية الصحية الشاملة لهم ونشر الأندية وقصور الثقافة في جميع ربوع مصر‏,‏ والعمل علي اكتشاف المواهب والامكانات الابداعية لدي أطفالنا وتنميتها منذ الطفولة المبكرة ورعايتها بعد ذلك‏.‏ أما الشباب فإن أخطر المشكلات التي تواجههم حاليا هي البطالة التي ترتبط كما تبين لنا بآفات خطيرة مثل التطرف وادمان المخدرات والعنف باشكاله المختلفة مما ترتب عليه تبديد طاقاتهم الإبداعية وإلي ظهور تنوع سلبي وهدام بينهم أي تنوع انحرافي بدلا من التنوع الخلاق‏.
‏‏4‏ ـ التنوع الإقليمي‏:
الجنوب والشمالمن المعروف أن الوجه القبلي قد عاني طويلا من التفاوت الحاد بينه وبين الوجه البحري في مصر بفعل ظروف تاريخية محلية وعالمية‏.‏ وتعكس الإحصاءات الرسمية هذا التفاوت لصالح الوجه البحري في كافة المناحي‏:‏ الاستثمار ـ متوسط الدخل ـ الانفاق علي الخدمات كالتعليم والصحة والمرافق كالكهرباء وشبكات المياه والصرف الصحي والثقافة والترفيه‏.‏ وقد أخذت الدولة حديثا علي عاتقها الاهتمام بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمختلف مناطق الوجه القبلي‏.‏وقد نجم عن هذا التفاوت طويل المدي تنوع اجتماعي سلبي ضار مثل التنوع القبلي الذي ارتبط بظاهرة الأخذ بالثأر وتنوع التطرف‏/‏ الاعتدال وتنوع الأمية والجهل‏/‏ التعليم وتنوع صور العنف‏,‏ ويمكننا ملاحظة انعكاس الاثار الإيجابية للتنمية كالتصنيع والسد العالي والتحضر وارتفاع التعليم والاهتمام بالخدمات والمرافق في مدينة مثل أسوان علي التنوع الخلاق‏,‏ فالزائر لهذه المدينة منذ نحو نصف قرن يشهد عمل المرأة وتميزها ويشهد المبدعون من أهالي المدينة وما حولها في مجالات العلم بالمعاهد العلمية بها ويشهد الفنون وازدهارها ويشهد دور أهل المنطقة في مجال السياحة‏.‏ وكما هو الحال في كافة أنحاء الجمهورية يضم الوجه القبلي إمكانات بشرية هائلة تنتظر تحقيق المزيد من فرص الحياة والظروف المعيشية الأفضل وتقليل التفاوت الاقتصادي‏/‏ الاجتماعي حتي تنطلق محققة درجات أعلي من التنوع الإبداعي الخلاق‏.‏
نشر بجريدة الأهرام المصرية عدد 12/7/2001

قانون تنظيم الجامعات والعقلانية في الإدارة

تدخل جامعاتنا القرن الأول من الألفية الثالثة‏,‏ وهي مزودة بامكانات بشرية كافية تؤهلها لتحقيق انطلاقة كبيرة في أداء رسالتها العلمية والتنموية إلا أنها في الوقت نفسه مثقلة بتركة هائة من المعوقات التي تراكمت عليها خلال العقود الأخيرة من الألفية الثانية مما جعل أداءها سواء علي المستوي التعليمي أو المستوي البحثي أدني مما يجب أن يكون عليه‏.‏وقد أدركت الدولة مدي أهمية تطوير الجامعة لما له من انعكاسات علي مستقبل التنمية في مصر وشرعت في اعداد مشروع قانون جديد لتنظيم الجامعات وشكلت لجانا لصياغته وتعتزم عقد مؤتمر لمناقشته‏.‏ولما كانت هذه اللجان مشكلة كما نعلم من ذوي المناصب القيادية أو الإدارية العليا بالجامعات فإننا نرجو ألا يكون هذا التشكيل في حد ذاته عائقا أمام تطويرالإدارة الجامعية وأن تشكل لهذا الغرض لجان من خبراء متخصصين في شئون ادارة المؤسسات الأكاديمية مع الاستفادة من نظم الادارة الجامعية المطبقة في جامعات العالم المتقدمة‏.‏إن قانون تنظيم الجامعات الحالي والذي صدر منذ مايزيد علي ربع قرن من الزمان لم يحدد أي مواصفات موضوعية يشترط توافرها فيمن يشغل المناصب القيادية بالجامعات وجعل التعيين في هذه المناصب بالاختيار الشخصي لمن بيده الأمر‏(‏ وهو مالا نجد له مثيلا في أي من مؤسسات الدولة الأخري‏).‏فالشرط الوحيد الواجب توافره فيمن يعين رئيسا لجامعة ما أو نائبا لرئيسها أن يكون قد شغل منصب أستاذ بأي من الجامعات المصرية لمدة خمس سنوات علي الأقل‏,‏ وهذا الشرط ينطبق علي الآلاف من الأساتذة في مختلف كليات جامعات مصر الخمس عشرة‏,‏ فعلي أي أساس يتم الاختيار ؟وقانون تنظيم الجامعات الحالي يعطي رئيس الجامعة بعد تعيينه سلطات في جامعته تفوق سلطات أي وزير في وزارته بل تفوق سلطات رئيس الجمهورية في الدولة‏.‏ فهو وحده الذي يملك سلطة تعيين عمداء الكليات واستبدالهم بغيرهم‏(‏ وهم أعضاء مجلس الجامعة الذي يرأسه والمفروض أنه يمثل السلطة التشريعية بالجامعة ويراقب أداء رئيسها‏)‏وهذا القانون لاينص علي ضرورة توافر أي شرط في العميد سوي أن يكون أستاذا بكليته ولرئيس الجامعة أن يختار أيا من مئات الأساتذة بالكلية لمنصب العميد دون أن يكون ملزما بإبداء أي أسباب للاختيار وينطبق الشيء نفسه علي وكلاء الكليات بعد أخذ رأي العميد‏(‏ وله أن يعمل بهذا الرأي أو لايعمل‏)‏وللعميد أن يرشح واحدا من بين أقدم ثلاثة أساتذة بالقسم لرئاسة القسم دون إبداء الاسباب ولرئيس الجامعة أن يعين المرشح أو يعين غيره‏.‏إن قانون تنظيم الجامعات الحالي فيما يتعلق بشغل المناصب القيادية بالجامعة يتنافي تماما مع مبدأ العقلانية وترشيد الإدارة وهي السمة الأساسية في الإدارة الحديثة ولايتناسب مع الجامعة كمؤسسة أكاديمية ولكنه يتناسب مع أساليب الإدارة القديمة والتقليدية ذات الطابع القبلي أو العائلي‏.‏ فالإدارة الحديثة تقوم علي أسس رسمية لاشخصية تحددها اللوائح والقوانين ويعتمد الاختيار في المناصب فيها علي توافر خصائص مهنية وخبرات وقدرات وكفاءات تخضع للتقدير الموضوعي وتسمح بالمفاضلة بين أنسب العناصر لشغلها وعلي التنافس بين المرشحين لها وعلي تقويم أداء من يشغلها وفقا لأسس محددة‏.‏قد يقال ان علاج قصور القانون يتمثل في انتخاب القيادات الجامعية ولكن في ذلك أيضا تدعيما لمناخ القبلية في الجامعة‏.‏ان المناصب القيادية بالجامعة لابد أن تشغل بناء علي توافر خصائص موضوعية قابلة للقياس والتقدير الدقيقين‏.‏ان الجامعة لابد ان يطبق بها مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب وأن يكون التعيين في المناصب القيادية بها عن طريق الإعلان عند خلو المنصب وتحديد الاشتراطات الواجب توافرها فيمن يتقدم لشغل المنصب وأن تشكل لجان للمفاضلة بين المتقدمين علي أسس موضوعية واختيار أفضلهم‏,‏ ولابد أن توضع أسس لتقويم أداء من يشغل أي من هذه المناصب بصفة دورية تكون متسقة بالطبع مع الأسس التي لابد من وضعها لتقويم أداء الجامعة ككل‏.‏أملنا أن تتم دراسة متأنية لموضوع القيادات بالجامعة حتي يأتي القانون الجديد مسايرا لأسس الإدارة العقلانية الحديثة ومحققا لأهدافنا جميعا في تطوير مؤسساتنا الجامعية حتي تؤدي رسالتها علي أكمل وجه‏.
‏نشر بجريدة الأهرام المصرية عدد 10/2/2000

حقوق الملكية الفكرية

Copyright Disclaimer
This site does not store any files on its server. We only index and link to content provided by other sites. Please contact the content providers to delete copyright contents if any and email us, we'll remove relevant links or contents immediately.
تنويه عن حقوق الملكية
هذا الموقع لا يخزن أية ملفات تخص الكتب الموجودة عليه، وإنما نحن نشير فقط إلى وصلات لكتب توفرها مواقع أخرى. وإذا كان أياً من محتويات الموقع يخالف شروط الملكية الفكرية فيرجى مراسلة المواقع المخزن عليها الملفات لحذفها، ومراسلتنا لحذف الوصلات التى تشير إليها.