علم اجتماع الثورة
نحو علم اجتماع ثوري في العالم العربى

الجمعة، 23 ديسمبر 2011

بين إسقاط النظام وإسقاط الثورة .. تحليل اجتماعي لمصر بعد ٢٥ يناير

بين إسقاط النظام وإسقاط الثورة ..
تحليل اجتماعي لمصر بعد ٢٥ يناير
بقلم الدكتور سمير نعيم أحمد

حظي الشعب المصري إبان ثورة ٢٥ يناير بإعجاب شعوب العالم وتخذه الثوار في القارات الخمس مثالا يحتذي من حيث التضحية و الشجاعة ووضوح الهدف و الإصرار علي بلوغه و القدرة علي الحشد السلمي و التنظيم و التحضر و الإنسانية وأصبح ميدان التحرير نموذجا يطبقه الثوار في كل مكان مثل نيويورك و أوكلاند و مدريد و أثينا وغير ذلك. واعتقد المصريون و معهم شعوب المنطقة و العالم بعد إجبار مبارك علي التخلي عن منصب رئيس الجمهورية  أن مصر بصدد إسقاط نظامه الفاسد والقضاء علي عصابات النهب و السلب المنظم لثروات مصر الهائلة.إلا أن تلك العصابات التي ظلت تسيطر علي مختلف أجهزة الدولة كانت تخطط منذ قيام الثورة يوم25 يناير وربما قبلها لإسقاط الثورة والإستمرار في حكم البلاد و نهب ثرواتها والحيلولة دون تعرضهم للمحاكمة والقصاص منهم .ومنذ بدية الثورة وحتي يومنا هذا  والصراع محتدم بين الثوار وبين النظام كل منهما مصر علي إسقاط الآخر ولكل منهما قوي اجتماعية تسانده و أساليب متنوعة يستخدمها لتحقيق أهدافه.

الثوار تساندهم  أغلبية القوي الشعبية التي قامت بالثورة و قدمت آلاف الشهداء و المصابين والتي تري في نجاح الثورة في تحقيق أهداف الحرية و الديموقراطية و العدالة الإجتماعية و إسقاط النظام تحريرا لها من البؤس و الفقر و المعاناة والذل الذي فرضه النظام عليهم لسنوات طويلة و هذه القوي لا تملك سوي الإرادة و الحق و القدرة علي الحشد بأعداد هائلة للضغط علي من أسند لهم مبارك مهمة إدارة شئون البلاد للتوقف عن إعاقة تحقيق أهداف الثورة و تعتمد علي أن الحق معها وعلي قدرتها علي الصمود و انكسار حاجز الخوف لدي الشعب وأيضاً علي جبن و هشاشة النظام و افتضاحه علي المستويين المحلي و العالمي وتعتمد هذه القوي أسلوب التظاهر و الإعتصام السلمي في صراعها مع القوي المساندة للنظام ويساعدها في الإعلام والحشد بعض المثقفين و الإعلاميين  الثوريين و شباب الفيس بوك و التويتر و الإتصالات التليفونية و الشخصية وبعض القنوات الفضائية التي تتعرض للمداهمة و الغلق و المنع من البث من آن لآخر.

النظام القائم الذي كل همه إسقاط الثورة تسانده القوي المالية الطفيلية التي كونت ثرواتها من النهب الممنهج لثروات مصر من أراضي الدولة و شركات القطاع العام والمناجم و عوائد قناة السويس و البترول و المناجم والعمالة بالسخرة في مشروعاتها و أموال البنوك وغير ذلك من موارد الدولة وكذلك كل المسيفيدين منهم و من النظام من كبار الرئاسات في كل وزارات و أجهزة الدولة الادارية و الخدمية ومن الحكم المحلي ونواب القروض و الرشاوي في المجالس النيابية السابقة ومعهم بعض ممن  يطلق عليهم تسمية الرأسمالية الكومبرادورية أي وكلاء الشركات الأجنبية العاملين في استيراد السلع و ليس إنتاجها محليا.ولكل هؤلاء تنظيماتهم الحزبية مثل الحزب الوطني المنحل شكلا وغيره  من الأحزاب الكرتونية والأحزاب الجديدة  و المحظورة سابقا والتي حصرت جل اهتمامها في الفوز في الإنتخابات و الوصول للسلطة  و حرمت الخروج علي الحاكم .وتلقي هذالقوي التأييد و الدعم من قوي خارجية  و بصفة خاصة دول خليجية .وتعتمد هذه القوي بصفة أساسية علي أجهزة الدولة القمعية بكل ما لديها من إمكانات بشرية و معدات  فتاكة لفض و تفريق الحشود الجماهيرية للثوار كما تعتمد علي أجهزة الدولة الإيديولوجية وبصفة خاصة القنوات التليفزيونية الحكومية الأرضية و ما تسمي بالصحافة القومية المملوكة للدولة  لبث الدعاية المناهضة للثورة ولنشر الأكاذيب و اتهامات الثوار بالعمالة لقوي أجنبية و بث الفرقة بينهم  و يساندها في ذلك نوعية من الدعاة تتولي تنفير الجمهور من الثورة باسم الدين بادعاء أن الثوار علمانيون و ليبراليون غير متدينيين .

الثوار كان شعارهم منذ البداية و مازال : سلمية سلمية  والنظام كان شعاره منذ البداية و مازال قمعية قمعية و لذلك لم يقتل الثوار أحدا من أتباع النظام وكل ما طالبوا به هو المحاكمة العادلة لكل من ارتكب جريمة ضد الشعب و الوطن بينما قتل النظام و شوه الآلاف من الثوار و سلط عليهم البلطجية لترويعهم ولتدميروحرق الممتلكات العامة  وآخرها المجمع العلمي كي يتهمهم بها و يصرف الجماهير عنهم . اعتمد الثوار الصدق و النقاء الثوري و الفداء و التضحية و الغيرية و الوطنية وبناء المستقبل  منهجا و اعتمد النظام الكذب و التضليل والوحشية والأنانية وإعلاء المصالح الشخصية و الفئوية للنظام علي مصالح الوطن وعلى مستقبل الأجيال وسائل لتحقيق استمراريته.

 ان التحليل العلمي الاجتماعي لطبيعة القوي الاجتماعية الفاعلة علي الساحة الآن و صراع المصالح بين الإستغلاليين  و الإنتهازيين و غالبية الشعب صاحب المصلحة في انتصار الثورة ونشر الوعي بذلك بين كل قطاعات الشعب  ضرورة ملحة الآن لمواجهة جهود النظام في تحويل التناقض الأساسي بين قوي الإستغلال التي يمثلها النظام  ووبين قوي الشعب التي تمثلها الثورة إلي تناقض أو صراع بين الإسلاميين و العلمانيين أوالليبراليين أو بين المسلمين والمسيحيين أو بين الشباب و الشيوخ  أو بين دعاة الإستقرار و دعاة الفوضي .

وأخيرا يدلنا التحليل الواقعي للحركات الثورية في العالم كله الآن ولما طرا علي الشعب المصري من تغير بعد الثورة أن النظام يسبح ضد التيار بينما تقود الثورة مصر في مسار التطور التاريخي للبشرية.


المصدر جريدة البديل الالكترونية عدد 23 ديسمبر 2011

الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

المدرســـة النـقـديـة فى علم الاجــتماع العربى الدكتور سمير نعيم نموذجاً

المدرســـة النـقـديـة فى علم الاجــتماع العربى
الأستاذ الدكتور سمير نعيم أحمد نموذجاً

دراسة نقدية بقلم/ فرغلى هـارون

هناك من العلماء من يتجاوز تأثيره مجرد ما يقدمه من أعمال أو أفكار أو دراسات أو مؤلفات، وإنما يتعدى ذلك إلى أن يصبح هو نفسه بشخصيته وأفكاره محوراً لاتجاه فكرى مميز، أو مدرسة فكرية تميزه وتميز أتباعه وتلاميذه عن غيرهم من الباحثين والعلماء فى نفس المجال.

ويمكننى القول، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الدكتور سمير نعيم أحمد أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، هو أحد هؤلاء الأفذاذ الذين تعدى تأثيرهم الفكرى إلى غيرهم، ليصبح لهم اتجاهاً خاصاً فى الدرس والبحث، يشكل بمصدره الأساسى – سمير نعيم بشخصيته وأفكاره – وروافده العديدة – تلامذة سمير نعيم واسهاماتهم – مدرسة نقدية متميزة فى علم الاجتماع المصرى خاصة، والسوسيولوجيا العربية على وجه العموم.
فمنذ بداياته الفكرية والعلمية الأولى فى ستينيات القرن الماضى، وضع سمير نعيم نصب عينيه هدفاً رئيسياً، جعله قبلته التى لا يحيد عنها، وهو أن يكون علمه وبحثه وفكره، بل وحياته وكيانه كله، فى خدمة الإنسان المصرى والعربى، من أجل الارتقاء بوعيه ومحاربة عوامل التزييف المتعددة التى تحيط به، حتى يخرج من حالة السبات العقلى التى أصابته، وينفض عن روحه وعقله غبار الغفلة والتخلف، ليكون أهلاً للمكانة التى يستحقها بين شعوب العالم.


ومن أجل تحقيق هذا الهدف الرئيسى، اختار سمير نعيم أن ينحاز إلى العقل النقدى، الذى لا يقبل بالأمر الواقع، ويرفض التسليم للقهر أياً كان مصدره. اختار أن يكون علمه وفكره فى صف الناس، معهم وبهم ولهم، لم ينسق مثل كثيرين غيره وراء بريق الإغراءات المادية أو السلطة أو المنصب أو الجاه، وإنما جاءت اسهاماته العلمية والفكرية لتؤكد على انحيازه التام إلى النقد الاجتماعى الثورى، الذى يجعل من نقد الواقع الخطوة الأولى لتثويره وتغييره بما يحقق إنسانية الإنسان وكرامته وحريته.

ورغم عمله كباحث فى علم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية منذ 1965 وحتى حصوله على درجة الدكتوراه فى علم الإجرام الاجتماعى من نفس الجامعة عام 1967، إلا أنه لم يقع مثل غيره فى فخ تمجيد الثقافة الغربية والعلم الأمريكى الذى نهل منه، وإنما استطاع بنزعته النقدية أن يحصن نفسه من هذا الوهم الذى يسيطر على الكثيرين من الدارسين العرب فى بلاد الغرب المختلفة، وتبدى ذلك بوضوح فى نقده لعلم الإجرام الأمريكى ذاته الذى تتلمذ عليه، فى دراسة نقدية متميزة بعنوان: الصورة الراهنة لعلم الإجرام الأمريكي، والتى نشرت بالمجلة الجنائية القومية عام 1971.

وكان قد سبق هذه الدراسة، ولحقها أيضاً، بمجموعة من الدراسات الاجتماعية المتميزة التى يتضح فيها اتجاهه النقدى الاجتماعى، والتى حاول من خلالها لفت الأنظار إلى أهمية وضع البناء الاجتماعى الكلى بعلاقاته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فى بؤرة الوعى عند بحث قضايانا المختلفة، وجاء على رأس هذه القضايا قضية التنمية الاجتماعية، بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فى المجتمعات العربية عامة والمجتمع المصرى على وجه الخصوص، نذكر من هذه الدراسات المتميزة: الطفولة صانعة المستقبل عام 1963، الاستثمار في العلم وفى الإنتاج عام 1970، التحديات الاجتماعية للتنمية عام 1977، التحديات الاجتماعية للتنمية والمشكلات الاجتماعية عام 1979، ثقافة الديمقراطية والتنمية وقيم القطاع الثالث عام 2004.

 كما انشغل سمير نعيم بعلم الاجتماع ذاته فى الوطن العربى، محاولاً لفت انتباه الباحثين الاجتماعيين لأهمية وضرورة تطوير أنفسهم وأدواتهم لتكون أكثر ملائمة لدراسة قضايانا العربية، والارتقاء بوعيهم تجاه قضايا مجتمعنا العربى بما يتلاءم مع خصوصية المجتمع العربى وتميزه عن غيره من المجتمعات الغربية، التى كانت أغلب تنظيرات علماء الاجتماع العرب وتحليلاتهم الاجتماعية مستمدة منها، فنشر العديد من البحوث والدراسات، وشارك ورأس العديد من الندوات والمؤتمرات، التى ساعدت على بلورة فكر نقدى جديد فى علم الاجتماع العربى، وكانت عاملاً أساسياً فى الارتقاء بوعى العديد من الباحثين والدارسين فى مجال علم الاجتماع من العرب، نذكر من هذه الدراسات والمؤتمرات: علم الاجتماع والأيديولوجيا عام 1971، الاتجاهات النظرية في علم الاجتماع ومدى ملائمتها للوطن العربي عام 1981، واقع ومستقبل بحوث علم الاجتماع في الوطن العربي عام 1983، بحوث علم الاجتماع والالتزام بقضايا الإنسان العربي عام 1984. وتوج هذا الاهتمام النظرى بعلم الاجتماع بكتابيه الرائدين: النظرية فى علم الاجتماع، والمنهج العلمى فى البحوث الاجتماعية، واللذين وجدا من القبول والحفاوة من دارسى علم الاجتماع خاصة، والمثقفين المهتمين بالعلم الاجتماعى عامة، ما جعل طبعاتهما تنفد بمجرد صدورها، وما جعلهما مرجعاً رئيسياً لدارسى وباحثى علم الاجتماع فى الوطن العربى كله، منذ سبعينيات القرن الماضى وحتى الآن.

كما اهتم بالدراسة الاجتماعية للسلوك الإجرامى، وعلاقته بالقانون والبناء الاجتماعى، محاولاً من خلال اسهاماته النقدية التشديد على دور القانون فى عملية الضبط الاجتماعى، وعلى تأثير البيئة الاجتماعية العامة، وأثر العلاقات الاقتصادية الاجتماعية والانتماءات الطبقية على الظواهر القانونية وما يرتبط بها من سلوكيات جانحة أو منحرفة أو إجرامية، وقد تبلور هذا الاهتمام فى مجموعة متنوعة من الدراسات والمؤلفات التى جعلت من هذا الموضوع محوراً لها، نذكر منها: الأساس النظري لأجهزة كشف الكذب عام 1962، بناء الأسرة وتكوين الجُناح عام 1964، الانحراف الاجتماعي وواقع البلدان النامية عام 1976، إدمـــان المخــدرات بين اختلال الفرد واختلال المجتمع عام 1986، المحددات الاقتصادية والاجتماعية للتطرف الديني: حالة مصر عام 1990، احتواء قيم وأيديولوجيا العنف علي ضوء المتغيرات الدولية والإقليمية والمحلية عام 2002، المواجهة الاجتماعية الشاملة لمشكلة انتشار تعاطى وإدمان المخدرات عام 2005. ويتوج كل هذه الدراسات كتابيه الرائدين: الدراسة العلمية للسلوك الإجرامي الذى صدرت طبعته الأولى عام 1968، وعلم الاجتماع القانوني الذى صدرت طبعته الأولى عام 1982، واللذين وجدا أيضاً من القبول والحفاوة، ما جعل طبعاتهما تنفد بمجرد صدورها، وما جعلهما مرجعاً رئيسياً لدارسى وباحثى علم الاجتماع، والمهتمين بالسلوك الإجرامى واجتماعيات القانون فى الوطن العربى كله، منذ صدورهما وحتى الآن.

كذلك فقد أولى الدكتور سمير نعيم، اهتماماً بالغاً باستخدام منهجه الاجتماعى النقدى، فى دراسة القيم الاجتماعية للشخصية المصرية والعربية، فى خصائصها، وتغيراتها. وكان لمنهجه النقدى أثراً بارزاً فى إلقاء الضوء على العديد من المناطق الهامة والجوانب الرئيسية فى الشخصية المصرية والعربية عامة، وما تحمله من قيم وثقافة، وما يطرأ عليها من تحولات جوهرية مرتبطة بتحولات البناء الاجتماعى الاقتصادى وعلاقات القوة فى المجتمع. ومن أهم الدراسات التى قدمها سمير نعيم حول هذا الموضوع: بعض ملامح الحياة الاجتماعية بواحة سيوة عام 1978، حرب أكتوبر وبناء الإنسان المصري عام 1980، أنساق القيم الاجتماعية ماهيتها وظروف تشكلها وتغيرها في مصر عام 1982، أثر التغيرات في المجتمع المصري خلال حقبة السبعينات على أنساق القيم الاجتماعية ومستقبل التنمية عام 1983، الشخصية العربية والتحدى الحضاري عام 1983، الشباب وقيم العمل المنتج عام 1984، التغيرات البنائية فى المجتمع المصرى والهجرة الريفية والحضرية عام 1991، الانحراف بالإبداعية عام 1992، أنساق القيم الاجتماعية بالوطن العربي عام 1995، احتواء قيم وأيديولجيا العنف علي ضوء المتغيرات الدولية والإقليمية والمحلية عام 2002، منظومة القيم والواقع الاجتماعي بين تكريس الراهن وتحقيق المأمول عام 2005، التغيرات البنيوية فى المجتمع المصرى وانعكاساتها على أنساق القيم فى النصف الثانى من القرن العشرين عام 2007، السمات الشخصية للمصريين بين الثبات والتغير عام 2010.

ويمثل كتابه الفذ (أهل مصر- دراسة في عبقرية البقاء والاستمرار) الصادر فى طبعته الأولى عام 1993، علامة فارقة فى دراسات الشخصية المصرية التى تستند إلى المنهج السوسيولوجى النقدى، وهو ما جعل العديد من النقاد يقارنون بينه وبين العلامة الراحل الدكتور جمال حمدان فى دراسته الموسوعية شخصية مصر. أما درة التاج فى دراسات سمير نعيم حول المجتمع المصرى وقيمه وثقافته فقد تمثلت فى كتابه الأخير الصادر عام 2011 بعنوان: (ثورة 25 يناير وثقافة الاستهانة)، والذى أعاد فيه التأكيد على مسلماته الأساسية التى قضى عمره كله منحازاً لها، والمتمثلة فى ضرورة إعلاء شأن الإنسان المصرى وكرامته وحريته على كل اعتبار وفوق كل سلطة، كما أوضح فيه بالنقد والتحليل الطبيعة الحقيقية للشخصية المصرية الأبية التى ترفض الظلم وتضحى بكل شيء فى سبيل الحرية والكرامة والعدالة.

وبخلاف هذه الخطوط العريضة فى مسيرة الدكتور سمير نعيم الفكرية والعلمية، فقد أهتم أيضاً بالعديد من الظواهر الاجتماعية المستحدثة التى أخذت تدريجياً تحتل مكاناً بارزاً فى مجال البحث السوسيولوجى المعاصر، مثل دراسات العولمة وحقوق الإنسان وعلم اجتماع الجماهير أو العامة، وهو ما تبدى فى العديد من بحوثه وترجماته الحديثة، مثل دراساته الممتعة حول العولمة وأثرها على حقوق الإنسان فى الدول النامية أو دول الجنوب مقارنة بالدول المتقدمة أو دول الشمال والتى قدمها أمام الجمعية الدولية لعلم الاجتماع فى مؤتمراتها المتتالية والتى رأس بعض جلساتها، منذ عام 1998 وحتى الآن، وكان آخرها البحث الذى قدمه بمدينة جوتنبرج بالسويد إلى المؤتمر الدولي السابع عشر للجمعية الدولية لعلم الاجتماع في يوليو 2010، بعنوان: The Impact of Globalization on a Southern Cosmopolitan City (Cairo). إضافة إلى شروعه فى ترجمة بعض الكتب الأساسية التى تؤسس لفرع حديث الظهور من علم الاجتماع وهو ما يطلق عليه علم اجتماع العموم Public Sociology، والذى يجعل قضيته الرئيسية هى التوجه إلى عموم الناس ودراسة مشاكلهم واهتماماتهم وقضاياهم، وأيضاً مخاطبتهم بلغتهم، والابتعاد عن التحصن فى أبراج العلماء العاجية التى تعزلهم عن عموم الناس.

وهكذا، يتضح لنا من العرض السابق، أن الانتاج الفكرى والعلمى للدكتور سمير نعيم، منذ بداياته العلمية فى ستينيات القرن الماضى وحتى الآن، قد حافظ على نفس الخط المنهجى العلمى، الذى يلتزم بالمنهج النقدى فى الفكر والعلم الاجتماعى، ويساهم فى تطويره وتطويعه ليكون أكثر ملائمة وتوافقاً مع خصائص مجتمعنا العربى عامة والمصرى على وجه الخصوص. ذلك المنهج الذى اتخذه سمير نعيم كأداة علمية يستطيع من خلالها دراسة وتحليل ونقد الواقع الاجتماعى العربى والمصرى، بكل أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، لكشف ما به من مواطن القوة والعمل على تعزيزها وحسن استغلالها، وأيضاً ما به من مواطن الضعف أو أوجه الخلل والزيف والعمل على علاجها والتصدى لها.

ولم تتوقف المدرسة النقدية للدكتور سمير نعيم عند حدود شخصيته العلمية أو إسهاماته الفكرية والنقدية فى العلم والمجتمع، وإنما مثَّل كل ذلك الرافد الأساسى والمنبع الصافى الذى نهل منه العديد من الباحثين فى مجال العلم الاجتماعى، سواء من تتلمذ منهم على يديه مباشرة فى مرحلة الدراسات العليا، أو من تتلمذ على كتاباته وفكره وتبنى اتجاهه العلمى وأصبح من اتباعه ومريديه، وتتمثل فروع هذه المدرسة التى أسسها سمير نعيم فى العديد من تلاميذه المنتشرون فى مختلف الجامعات ومراكز البحوث فى مصر وغيرها من الدول العربية، محافظين على منهجه السوسيولوجى النقدى، ومساهمين بدورهم فى نشر الفكر الاجتماعى النقدى فى ربوع الوطن من خلال ما يقومون به من دراسات أو مؤلفات أو من خلال تدريسهم المباشر فى الجامعات المختلفة.

وبنظرة سريعة على بعض عناوين رسائل الماجستير والدكتوراه التى أشرف عليها الدكتور سمير نعيم وأنجزها تلامذته، يمكننا اكتشاف ذلك الخط النقدى الذى يجمعها، ويميزها عن غيرها فى مجال البحث السوسيولوجى، نذكر منها عناوين الرسائل العلمية التالية: العلاقة بين التحول الاجتماعى وبناء القوة فى القرية المصرية - معوقات التنمية فى القرية المصرية - بعض المحددات البنائية لوعى المرأة المصرية - الاعلان التلفزيونى وعلاقته بالقيم فى ظل الانفتاح الاقتصادى - الآثار الاجتماعية للتحولات الاقتصادية في المجتمع الجزائري- الوعي الاجتماعي للطبقة العاملة الجزائرية - الانتماء الاجتماعي للشخصية المصرية في السبعينيات دراسة ميدانية - أنساق القيم الاجتماعية وتأثرها بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية – الجيش والتغير الاجتماعى فى اليمن - الاوضاع السياسية والاجتماعية للعمال الأجراء فى القرية المصرية - ملامح الوعى لدى الباحثين فى ميدان علم الاجتماع وانعكاساتها على المنتج البحثى - علم اجتماع المستقبل والمجتمع المصرى - أنماط الوعي التنموي لدي المتخصصين في العلوم الاجتماعية في مصر- الثقافة الفرعية للشباب المصري دراسة مقارنة لرطانة الشباب الجامعي - العولمة الاقتصادية والدور الاجتماعي للدولة - الوضع الاجتماعي للمرأة في القانون المصري المعاصر - التغيرات الاقتصادية الاجتماعية في مصر في السبعينيات وعلاقتها بالقانون - السينما والتليفزيون وصور السلوك الجانح دراسة ميدانية بالمغرب - المشكلات الاجتماعية وتحديات التنمية في مصر - العوامل البنائية المؤثرة علي الوعي السياسي والقانوني - الانفتاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية توزيع فرص العدالة في المجتمع المصري - الوعي الاجتماعي والانتماءات الاجتماعية - الأبعاد الاجتماعية لظاهرة توظيف الأموال في مصر - التوجهات الإيديولوجية ومعالجة الصحافة لظاهرة الفساد - مستقبل تحولات أنساق القيم الاجتماعية في ظل العولمة - وغيرها الكثير.

وباستقراء النتاج العلمى للدكتور سمير نعيم، وللعديد من تلاميذه الذين ساروا على نهجه، يمكننا أن نلحظ بما لا يدع مجالاً للشك، أنها جميعاً تمثل اتجاهاً متميزاً فى دراسة المجتمع العربى، ومدرسة نقدية متميزة فى السوسيولوجيا العربية المعاصرة. كما يمكن أيضاً استكشاف أهم المرتكزات النظرية التى تقوم عليها هذه المدرسة النقدية فى علم الاجتماع المصر‏ى والعربى فى النقاط الرئيسية التالية:
أولاً: تتبنى هذه المدرسة الاتجاه النقدى فى علم الاجتماع وفى الفكر الاجتماعى عموماً، لكل من الفكر والواقع، كما تضم مختلف الاتجاهات السوسيولوجية التى تشجع التنوع النظرى والمنهجى الخلاق.

ثانياً: تنطلق أعمال هذه المدرسة من التسليم بخصوصية الواقع الاجتماعى المصرى والعربى بكافة أبعاده، ولهذا فإنها تستمد أهم ركائزها وأهدافها العامة من مفكرى التنوير المصريين فى القرنين التاسع عشر والعشرين، من أمثال رفاعة الطهطاوى وجمال الدين الأفغانى ومحمد عبده، ومن تلاهم من أعلام الفكر المصرى مثل رشيد رضا وسعد زغلول ومصطفى عبد الرازق وقاسم أمين وطه حسين. ومن أهم هذه الركائز الاهتمام بالقضايا الكبرى للوطن، مثل: العدل والمساواة وحقوق الإنسان وعدم طبقية التعليم، ونشر القيم الايجابية والعمل المنتج والتنمية الشاملة، وعدم الانعزال عن معارف وعلوم وحياة الاخرين، وكشف أساليب تزيف وعى الجمهور ومقاومة الظلم، والاهتمام بالكشف عن أساليب نشر التفكير العلمى وأساليب تحقيق النهضة الشاملة.

ثالثاً: تنطلق أعمال هذه المدرسة من التسليم بإمكانية تطوير المجتمع المصرى والعربى وتحقيق انسانية الإنسان فيه إذا توافرت شروط الاستثمار الأمثل لإمكاناته البشرية والمادية المهدرة. وبناء عليه تسعى هذه المدرسة إلى دراسة وفهم البناء الاجتماعى المصرى والعربى بما يضمه من أنساق اجتماعية، وتحليل القوى الاجتماعية المختلفة على ضوء دورها فى تحقيق هذا الهدف أو إعاقته وعلى ضوء علاقة هذا البناء بالنظام الدولى والمراحل التاريخية التى مر بها.

رابعاً: تسترشد هذه المدرسة بانجازات مختلف الاتجاهات النقدية والراديكالية فى علم الاجتماع العالمى، التى ترتكز على مسلمات تسخير العلم الاجتماعى لأجل تحرير الإنسان بوجه عام من الاضطهاد والاستغلال والفقر والجهل والدفاع عن حقوق الإنسان وخاصة فى بلدان العالم الثالث التى ننتمى إليها، ومن أهم هذه الاتجاهات الخيال العلمى الاجتماعى لرايت ميلز، واتجاه مدرسة فرانكفورت وبخاصة أعمال هربرت ماركيوز وإريك فروم وهابرماس، بالإضافة إلى أعمال الماركسيين المحدثين مثل جورج لوكاش وأنطونيو جرامشي ... الخ. ولهذا فهذه المدرسة تولى اهتماماً كبيراً بموضوع الوعى الاجتماعى والقيم الاجتماعية الايجابية المستمدة من تراثنا ودورها فى تحقيق النهضة الشاملة.

خامساً: تسلم هذه المدرسة بأن القوى الاجتماعية البازغة والصاعدة تلعب دوراً حيوياً فى عملية التغير الاجتماعى نحو التقدم، مثل تنظيمات المجتمع المدنى بما تضمه من شباب من الجنسين ومن مفكرين ومثقفين ورجال دين، ولهذا فإن أبناء هذه المدرسة يدعمون أنشطة هذه التنظيمات بالمشاركة الفعالة فى تنمية الوعى الاجتماعى بالقضايا المجتمعية الكبرى من خلال الندوات والمؤتمرات والبرامج التى توجهها هذه التنظيمات لمختلف قطاعات المجتمع، بما يسهم فى خدمة قضايا الوطن والإنسان.

ولم يكتف الدكتور سمير نعيم، وتلامذته معه ومن بعده، بالتنظير والبحث والدراسة النقدية للواقع الاجتماعى، وإنما تجاوزوا ذلك إلى الفعل الاجتماعى المؤثر، من خلال المشاركة المجتمعية فى هموم الوطن وقضاياه، بالبحث والدرس والنقاش، والتى تبلورت ذروتها فى المشاركة فى فعاليات الثورات العربية الأخيرة والتى عرفت بثورات الربيع العربى. ولا أنسى فرحة الدكتور سمير نعيم وهو خارج إلى ميدان التحرير بالقاهرة، ليشارك الشباب المصرى فى ثورته ومطالبه بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وليلحق به العديد من تلاميذه إلى الميدان، لتتجسد فى هذه المدرسة السوسيولوجية كل مظاهر الوعى الاجتماعى الحقيقى، الذى يتجاوز مجرد الفكر والمعرفة إلى الفعل والممارسة.

الأربعاء، 23 نوفمبر 2011

من دنشواي ١٩٠٦إلي التحرير 2011

من دنشواي ١٩٠٦إلي التحرير 2011
د. سمير نعيم أحمد


مابين صباح ١٣ يونيو ١٩٠٦ و  فجر١٩ نوفمبر ٢٠١١ وقعت مواجهات عديدة بين السلطة و الشعب إبان الاحتلال البريطاني لمصر و في ظل حكومات متعاقبة قبل ثورة١٩٥٢ و بعدها حتي قيام ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١من أشهرها حادثة دنشواي التاريخية الشهيرة التي هاجمت فيها القوات الإنجليزية القرية و اعتقلت الشرطة ٥٩ فلاحا من القرية بعد و فاة الجندي الإنجليزي الذي كان يهرب بعد  إصابته لزوجة مأذون القرية بطلق ناري وهو يصطاد الحمام و احتراق جرن القمح بالقرية  ثم مظاهرات ثورة ١٩١٩ و كل المظاهرات التي قام بها المصريون في شوارع و ميادين القاهرة و المدن الكبري  وبخاصة الطلبة و العمال ضد الإستعمار  هاتفين الجلاء بالدماء وضد نظام الحكم و الملك ثم المظاهرات التي قامت بعد ثورة   ١٩٥٤ عام١٩٥٢ لمطالبة الجيش  بالعودة لثكناته و إقامة حياة ديموقراطية ثم مظاهرات الطلبة بعد هزيمة ١٩٦٧ للمطالبة بمحاكمة   المسؤولين ومظاهرات إنتفاضة ١٧ و ١٨ يناير  ١٩٧٧إبان رئاسة السادات١٩٧٧ ضد قرارات رفع الأسعار ثم كل المظاهرات و الوقفات  الإحتجاجية و الإعتصامات  في السنوات الأخيرة من سنوات رئاسة مبارك حتي ٢٥ يناير ٢٠١١ .

في كل هذه المواجهات الشعبية مع الإستعمار الإنجليزي و النظام الملكي و الأنظمة في عهود عبد الناصر و السادات و مبارك تم التعامل مع المواطنين  بعنف و تعرضوا للإعتقال و الضرب  والتعذيب و الإهانة و تلفيق التهم و الأحكام الظالمة مثل الحكم علي أهالي دنشواي بالإعدام و الجلد و السجن و مثل اعتقال ثوار انتفاضة ١٧ و ١٨ يناير ١٩٧٧

 إلا أن جميع هذه العهود في تاريخ مصر منذ  بدايات القرن العشرين لم تشهد أبدا ما شهدته مصر  بعد يوم ٢٥ يناير من   معاملة وحشية سادية  مجنونة للثوار لم يشهد لها العالم مثيلا إلا علي أيادي النازية أيام هتلر و الفاشية أيام موسيليني و  أيادي العدو الصهيوني في معاملته للفلسطينيين تحت الإحتلال و للأسري المصريين في حرب ١٩٦٧  في سيناء .ففي حادثة دنشواي قام  الإنجليز بتقديم الفلاحين للمحاكمة التي مهما كانت ظالمة إلا أنهم لم يرتكبوا  ضدهم جرائم ضد الإنسانية كالتي ارتكبت ضد الثوار في ميدان التحرير .ولم يحدث أن قام جنود الجيش الإنجليزي أو قوات الشرطة أو الجيش في عهود الملك فاروق و عبد الناصر و السادات ومبارك قبل ٢٥ يناير بتعمد إحداث عاهات مستديمة بالمتظاهرين مثل التنشين علي عيونهم لإصابتهم بالعمي وبتر أعضائهم  ومطاردتهم بالعربات المدرعة و دهسهم بها بالعشرات مثلما فعل جنود الجيش الإسرائيلي مع الجنود المصريين في سيناء في يونيو ١٩٦٧ حيث شاهدتهم يفعلون  ذلك علي شاشات التليفزيون الأمريكي عندما كنت أدرس هناك حينئذ و التمثيل بجثث الثوار بعد قتلهم و سحلهم علي الطريق و إلقائها مع القمامة كما شاهدنا علي القنوات التليفزيونية المحلية و العالمية وكذلك إلقاء قنابل الغاز علي مقر المستشفي الميداني بالتحرير و حرق الدراجات النارية التي تنقل الجرحي للمستشفيات و مصادرة الأدوية و المستلزمات الطبيية الداخلة لعلاج المصابين و القبض علي المتظاهرين و تعذيبهم وهتك عرض الفتيات المتظاهرات بأسلوب لم يتبع في أي مكان في العالم سوي في مصر بعد ثورة ٢٥ يناير و هو كشف العذرية الذي قام به جنود الشرطة العسكرية و لم يقدموا للمحاكمة حتي الآن.

إن الجرائم التي ارتكبت ضدالثوار بعد ثورة ٢٥ يناير سواء قبل خلع مبارك أو بعد تولي المجلس العسكري مهمة إدارة شئون البلاد هي جرائم ضد الإنسانية وفقا  للقوانين الدولية و المصرية والتي لا تسقط بالتقادم ولا مثيل لها في التاريخ المصري.وكل من يشاهد تسجيلاتها لا يمكن أن يتخيل أن مرتكبيها من المصريين

 أو أنها ترتكب ضد متظاهرين من قبل قوات أمن وطنية    ولكنها تبدو كجرائم ترتكبها قوات عسكرية في حالة حرب  وتستهدف المدنيين للتأثير علي الروح المعنوية لقوات العدو.

إن الجرائم التي ترتكب الآن ضد الثوار تسقط هيبة الدولة و تساهم في تحقيق أول أهداف الثورة وهو  إسقاط النظام ذلك أنها تسقط القانون تماما . فقد كفل القانون  والدستور والإعلانات الدستورية التي أعلنها المجلس الأعلي للقوات المسلحة جرية التظاهر و الإعتصام  وهاهي السلطات تفض الإعتصامات و المظاهرات السلمية تماما باستخدام أبشع الأساليب   كما أن القانون يكفل لكل مواطن مهما كان حتي ولو كان مجرما الحق في محاكمة عادلة و لا يعطي الحق   لكائن من كان أن يقتله أو يصيبه بعاهات مستديمة كما تفعل القوات الآن وتنص القوانين جميعا والشرائع السماوية علي معاقبة كل من يزهق نفسا بغير حق  بأقصي العقوبات و مع ذلك لا توجه للقتلة الذين تظهرهم التسجيلات بالصوت و الصورة أي اتهامات

ولا أجد تفسيرا لارتكاب السلطات لهذه الجرائم البشعة    وبكل هذا الإصرار وعلي مرأي و مسمع من العالم أجمع حيث لم يعد من الممكن  في   عصر الثورة المعلوماتية

 و أساليب الإتصال الجمعي إخفاء أي شيء عن عيون الشعب و العالم إلا الحقد الأسود علي الثورة و الثوار لأن هذه الثورة ستضع حدا للفساد و للنهب المؤسسي لثروات البلاد و لسيطرة القلة المحدودة علي السلطة واستحواذها علي الثروة القومية و حرمان الشعب من ثمار جهده  وكذلك الرعب و الخوف من أن يلقي باقي رجال النظام مصير المخلوع و بعض أفراد عصابته .

إن كل الجرائم اللاإنسانية التي ارتكبت و مازالت ترتكب ضد الثوار و الثورة من شأنها أن تزيد الثوار إصرارا علي استمرارية الثورة حتي تحقق  كل أهدافها و سوف يجيء اليوم الذي تنتصر فيه الثورة و تسود فيه دولة القانون ويلقي كل من  ارتكب جريمة ضد الإنسانية جزاءه العادل فالثوار يترفعون عن الرد علي الجرائم بجرائم مماثلة. فهم لم يقتلوا مبارك و عصابته  مثلما قتل الألوف منهم و مثلما فعل الثوار في بلدان أخري  بل طالبوا بمحاكمته محاكمة عادلة .


المصدر: جريدة البديل الالكترونية عدد 22 نوفمبر 2011http://elbadil.net/د-سمير-نعيم-أحمد-من-دنشواي-١٩٠٦إلي-الت/

إلي من يتناسون أن في مصر ثورة

إلي من يتناسون أن في مصر ثورة
د. سمير نعيم أحمد


قد يكون مفهوما أن يكون مجرد الحصول علي مقاعد في مجلس الشعب القادم هو كل هم  الأحزاب الكرتونية التي كانت متحالفة مع نظام مبارك و رضيت أن تعمل في كنفه لكي تضفي علي النظام مسحة من الديمقراطية الزائفة حيث يبدو أنه يسمح بالمعارضة  وكانت لا تزيد عن كونها مقرا و لافتة و جريدة دون أن تكون لها قواعد جماهيرية أو مواقف حاسمة من قضايا الفساد و الظلم الاجتماعي إن لم تكن مشاركة فيه والتي وقفت متفرجة علي الثورة وعلي قتل الثوار  حتى لاح لأصحابها أن  مبارك في سبيله   للسقوط فسارعت لركوب الموجة و إعلان انضمامها للثورة.

هذه الكيانات المشوهة المسماة بالأحزاب ليست سوي عدد من الأشخاص معظمهم من المسنين يجمعون حولهم عددا ضئيلا من الأفراد غير المسيسين و لا تجمعهم قضية قومية عامة ولا يمثلون إلا أنفسهم  و لا دور  مجتمعي لهم حتى علي مستوي الجمعيات الأهلية التي تعمل علي تقديم خدمات اجتماعية للجمهور . ولهذا فإنني لا أستغرب  أبدا غياب أي دور لهم في قضايا الثورة الأساسية و الملحة مثل  عدم القبض علي قتلة الثوار و عدم الإعلان عن أسماء القناصة و سائقي المدرعات التي دهست الثوار في ميدان التحرير ومثل اعتقال شباب الثورة بالآلاف و محاكمتهم عسكريا و مثل تدليل المخلوع و أفراد عصابته و  محاولات تبرئتهم و مثل عدم استعادة مليارات الدولارات المنهوبة و المهربة ومثل تعيينات رجال النظام في كل المناصب الحساسة في الدولة و مثل الإصرار علي عدم تحديد الحدين الأدنى و الأقصى للأجور و كذلك عدم عزل من أفسدوا الحياة السياسية  وعاثوا في مصر كلها فسادا والسماح  للحزب الوطني بخوض الانتخابات بعدد من الأحزاب و الأدهى من ذلك كله عدم تقديم مرتكبي جرائم إشعال الفتن الطائفية للمحاكمات و أيضا المسئولين عن الانفلات الأمني و استمرارية البلطجية و مهاجمتهم لشباب الثورة …….الخ إلخ.

هذه الأحزاب الكرتونية لم نسمع لها صوتا علي الإطلاق في كل ذلك و لكننا نسمع صوتها فقط عندما تثار مسألة تأجيل الانتخابات أو أي شيء يتعلق بالتأثير علي فرصهم في الحصول علي مقاعد في البرلمان الذي يريدونه نسخة من البرلمانات السابقة فقط مع تعديل نسب تمثيلهم فيه وهم يستعدون لخوض الانتخابات وفقا لنفس آليات الانتخابات السابقة : الرشاوى الانتخابية و القبلية و العصبية و التضليل و الوعود الكاذبة و اللجوء إلي استخدام الدين لاستمالة الناخب.

قد يكون كل ذلك مفهوما من هذه الأحزاب القديمة التي بلغ عددها قبل الثورة ٢٤ حزبا. و كذلك من كل أحزاب قوي النظام  التي تكونت بعد الثورة مثل أحزاب ” الحزب الوطني” وكذلك أحزاب التيارات الإسلامية التي تركز جل اهتمامها علي الفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد البرلمانية أو بأغلبيتها  حتى تتمكن من تنفيذ برنامجها الهادف إلي إقامة الدولة الإسلامية ولذلك فهي لم تتخذ أي موقف حيال أي قضية من قضايا الثورة السابق ذكرها ولكنها  أقامت الدنيا ولم تقعدها عند عرض الوثيقة المسماة وثيقة السلمي عندما وجدت فيها بندا يمكن أن يحرمها  آو يقلل من أمكانية تحقيق أهدافها في حالة فوزها بمقاعد تمكنها من ذلك..

أتفهم مواقف كل هؤلاء فهم متسقون مع تاريخهم ومع موقفهم السلبي  من الثورة و أهدافها ومع طبيعتهم النفعية والانتهازية ولكن ما يستعصي علي فهمي هو موقف رموز الفكر الثوري و أعضاء الحركات الاحتجاجية و بعض من شباب الثورة الذين هرعوا إلي تكوين أحزاب  و الترشح للانتخابات البرلمانية كمستقلين أو كأعضاء في قوائم حزبية و أعجب من تناسيهم أن ثورة قد قامت في مصر لإسقاط نظام حكم فاسد متخلف و إقامة نظام الحرية والديمقراطية و العدالة الاجتماعية  وليس لمجرد انتخاب أعضاء مجلس شعب جديد بنفس القواعد السابقة التي كانت تأتي لنا بنواب الكيف و القروض و الرشاوى و الفساد والتخلف العقلي و أعجب من عدم إدراكهم أنهم يلعبون نفس دور الأحزاب الكرتونية في إضفاء مسحة كاذبة من الديمقراطية علي النظام وكذلك من عدم إدراكهم أنهم يضيعون وقتهم في انتخابات لا يمكنهم الفوز فيها إلا بالتحالف مع من يملكون المال  و النفوذ والرؤي المخالفة لتلك التي أعلنوها لنا عند تأييدهم للثورة. ورأيي أنه كان الأجدر بهؤلاء أن يكونوا الآن منشغلين بالنضال ضد إجهاض الثورة و بكشف خطورة إجراء أي انتخابات وفقا للأسس القديمة و بقضية القبض علي شباب الثورة و المحاكمات العسكرية للمدنيين وبمطلب تسليم الحكم لمجلس ثورة مدني  يتولي مهمة تحقيق أهداف الثورة حتى يتفرغ المجلس الأعلى للقوات المسلحة تماما لحماية  حدود الوطن و سلامته .

قد  يبرر هؤلاء الذين أشبعونا كلاما عن ضرورة أن يكون الدستور أولا  وشاركوا في وضع المبادئ الدستورية والوثائق والظهور اليومي في  الفضائيات للحديث عن الثورة ثم نسوا كل ذلك   وتفرغوا للدعاية الانتخابية و عقد الصفقات و التحالفات مع مختلف ما تسمي بالقوي السياسية بأنهم  سيعملون علي تحقيق أهداف الثورة بعد فوزهم بعضوية مجلس الشعب  ولكن هذا الكلام لا ينطلي  علي عاقل يعلم أنه حتى إن فازوا فلن يكونوا سوي أقلية غير مؤثرة مثلما كان الشرفاء من أعضاء مجلس الشعب السابق الذين لم يزد دورهم عن تقديم الاستجوابات لإحراج الحكومة التي لم تكن تحرج و عجزوا عن الحيلولة دون تمرير أي قانون من تلك سيئة السمعة مما  يكشف عن هدفهم الحقيقي من خوض الانتخابات و التخلي عن الدفاع عن الثورة : انتهاز الفرصة للحصول علي مزايا عضوية المجلس النيابي . كم أحترم هؤلاء الرجال الذين رفضوا  الترشح لهذه الانتخابات و صمدوا مع الثوار  دفاعا عن الثورة و من أجل تحقيق أهدافها في إسقاط   نظام مبارك و إقامة نظام ديمقراطي حقيقي وأقول لكل من  أعلي مصالحه الشخصية علي مصالح الوطن  : في مصر ثورة وهي مستمرة وهي  قادرة علي تحقيق أهدافها و علي فرز الثوار الحقيقيين من أدعياء الثورية .


المصدر: جريدة البديل الالطترونية عدد 13 نوفمبر 2011http://elbadil.net/د-سمير-نعيم-أحمد-إلي-من-يتناسون-أن-في-مص/

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

السمات الشخصية للمصريين بين الثبات والتغير


السمات الشخصية للمصريين بين الثبات والتغير
الدكتور سمير نعيم أحمد

ورقة مقدمة إلى
المؤتمر السنوى الثانى عشر
للمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية
بعنوان: الشخصية المصرية فى عالم متغير

القاهرة 23-25 مايو 2010

يمكن تحميل البحث من الرابط التالى:



الأحد، 7 أغسطس 2011

بين محاكمة مبارك ومحاكمة النظام

الدكتور سمير نعيم يكتب:
بين محاكمة مبارك ومحاكمة النظام

تمثل المحاكمة العلنية للرئيس المخلوع محمد حسني السيد مبارك ونجليه مع بعض كبار رموز النظام بتهم قتل الثوار و الفساد علامة فارقة في التاريخ المصري من حيث أنها انتصار لإرادة الشعب و خطوة علي طريق تحقيق أهداف الثورة بصفة عامة و إرساء دولة القانون الذي يطبق علي كل المواطنين دون تمييز بصفة خاصة .

ولو أن هذه الخطوة كانت قد اتخذت فور نجاح الثورة في خلعه يوم 11 فبراير لجنبت مصر الكثير من عدم الإستقرار و القلق بل و إراقة دماء المزيد من شهداء الثورة . ويجب أن يكون في ذلك عبرة لكل مسؤول يتسبب في إرجاء اتخاذ الإحراءات لتحقيق مطالب الثورة . و أهمها إسقاط النظام الذي شيدته العصابات الحاكمة ومكنها من نهب ثروات مصر و الإستئثار بالسلطة و إفقار و إذلال الشعب .

و أعني بالنظام ترسانة القوانين التي تحكم أداء مختلف مؤسسات الدولة الإقتصادية و السياسية و الإجتماعية و الثقافية و التي سنها المجلس النيابي الذي كان يتشكل بانتخابات صورية مزورة لتكون أغلبيته غير ممثلة للشعب ويكون كل همها إضفاء الشرعية علي أعمال النهب المنظمة في مقابل ما يحصلون عليه من حصص فيما ينهب إضافة إلي كل اللوائح و القرارات التي يصدرها الوزراء لتنظيم العمل في وزاراتهم دون رقيب أو حسيب .وهذا هو النظام الذي ثار الشعب من أجل إسقاطه فهو لم يثر لمجرد الإطاحة برئيس أو برجال بعينهم لكي يأتي بغيرهم بنفس القواعد ولكي يمارسوا الحكم بنفس القوانين التي سنها ترزية القوانين في عهد الرئيس المخلوع .

لذلك أري أننا أهدرنا الكثير من الوقت بفعل التباطؤ في القبض علي المجرمين و تحويلهم للتحقيق ثم المحاكمات و الإنشغال بتكوين الأحزاب والترشح لرئاسة الجمهورية وقضية الدستور أولا أم الإنتخابات و أهملنا محاكمة النظام أي فحص كل القوانين و اللوائح التي أصدرتها الجماعات الحاكمة . وكان الأجدي بنا أن نكون فرقا من المتخصصين في كل مجال من مجالات حياتنا تكون مهمتها فحص القوانين في مجالها و تحليلها و اقتراح التعديلات لها ثم عرضها للنقاش العام في مؤتمرات شعبية تمهيدا لإتخاذ إجراءات إصدارها .
و من أهم القوانين واللوائح التي تحتاج لفحص و تغيير فوري تلك المتعلقة باختيار القيادات في مختلف مؤسسات الدولة نظرا لأهميتها البالغة من حيث تأثير هذه القيادات علي سير المرحلة الحساسة القادمة فيما يتعلق بالإنتخابات لمجلس الشعب و الرئاسة .لقد وضع مبارك و رجاله نظاما لإختيار القيادات في كل مؤسسات الدولة بحيث يضمنون ولاءها لهم و تحقيق مصالحهم بغض النظر عن مصالح المجتمع وكان هذا النظام لا يعتمد علي أي قواعد موضوعية كما أنه لم يكن معلنا وكان الإختيار يتم علس أسس شخصية كالقرابة و المحسوبية و علي أساس ترشيحات أمن الدولة وعلي أساس مكافأة من يتفانون في تحقيق مصالح رجال الحكم وأقاربهم و أعوانهم .

من منا يعرف علي أي أساس يتم اختيار رئيس الحكومة و الوزراء ومن منا يعرف علي أي أساس يتم اختيار المحافظين و رؤساء المدن ورؤساء الأحياء . وعل أي أساس يتم اختيار رؤساء الجامعات و العمداء و كذلك رؤساء مجاس إدارة الصحف المسماة بالقومية و رؤساء التحرير بها و كذلك مختلف الرئاسات في الإذاعة و التليفزيون . هذه ثلاث قطاعات فقط اخترتها لأنها الأكثر تأثيرا و ربما حسما في المرحلة الحالية . و من الؤسف أن عملية اختيار هذه القيادات تتم بعد الثورة علي نفس الأساس الذي أرساه مبارك و رجاله .

فإذا ما أتينا للجانب الإقتصادي لراعنا كم القوانين التي صدرت لتمكين رجال الحكم و أعوانهم من نهب ثروات مصر .لابد من فحص ( محاكمة ) كل قوانين الخصخصة و بيع شركات القطاع العام و تلك التي شردت عشرات الآلاف من العاملين بها والقوانين المتعلقة بتخصيص وبيع أراضي الدولة و قوانين التصدير والإستيراد و الإستثمار عموما و الإعفاءات الضريبية والحدين الأدني و الأعلي للأجور والمفروض أن تكون قد تشكلت فرق من الإقتصاديين و القانونيين و العاملين في المجال الإقتصادي لمحاكمة ( فحص و تقييم ) كل هذه القوانين و إجراء التغييرات اللازمة عليها.

وفي مجال الخدمات العامة كالتعليم و الصحة و النقل و المواصلات ترسانات من القوانين التي كرست تدهور هذه الخدمات و خصخصتها مما حرم الشعب من الإستفادة منها وجعل التمتع بها قاصرا علي القادرين علي شرائها وهي في حاجة أيضا للفحص و التغيير .

ينطبق نفس الشيء علي مجالات الثقافة والإسكان والتعيينات في الوظائف الحكومية .... الخ,
وفي رأيي أنه لو لقي النظام بالمعني الذي حددته اهتمام الثوار و المجلس الأعلي للقوات المسلحة و الحكومة وتم إجراء التغييرات الأهم عليه لشعر المواطنون بالتغيير و لطرأ تحسن علي أحوالهم المعيشية و لجاءت الموازنة الجديدة للدولة علي نحو مخاف لما كانت عايه إبان حكم مبارك و رجاله ولتحقق استقرار مشجع عل الإنتاج و التنمية .

إن أهم مطلب من مطالب الثورة : إسقاط النظام لم يتحقق بل و مسكوت عنه حتي الآن ولا يمكن الرد بالقول أن هذه مهمة مجلس الشعب الذي ستأتي به الإنتخابات و مهمة الرئيس القادم ذلك أن هذا النظام الذي لم يسقط هو الذي سيحدد وفقا لقواعده و أهدافه تكوين و طبيعة هذا المجلس و أيضا نوعية الرئيس القادم بما يضمن استمرارية النظام مع تغيير الأشخاص . وفي رأيي و رأي الكثيرين غيري أنه لا داعي للعجلة في إجراء الإنتخابات والعمل الدؤوب والمكثف علي وضع أسس النظام الجديد ليحل محل النظام الذي ثار الشعب لإسقاطه وبالطبع يصبح من الضروري وفقا لهذا المنطق أن يكون الدستور أبو القوانين كلها أولا.

نشر بجريدة العربى الناصرية عدد 7 أغسطس 2011

الاثنين، 1 أغسطس 2011

مصر كما تستحق أن تكون

الدكتور سمير نعيم أحمد يكتب:
مصر كما تستحق أن تكون

كنت كلما سافرت إلى الخارج يزداد غضبى من النظام ورجاله، وأدعو الله أن يعجل بالثورة وبالإطاحة بهذا النظام الفاسد الذى يُهدر ثروات البلاد، ويهدر معها كرامة الإنسان المصرى وآدميته، ويعيق تقدمه وتطوره. ذلك أننى كنت دائم المقارنة بين أحوال الناس فى كل بلد أزوره وأحوال أهل بلدى، الذين أعتبرهم من أعظم شعوب العالم بفضل ما يتمتعون به من تراث حضارى عريق ومن خصال اكتسبوها وتوارثوها عبر تاريخهم الطويل تظهر وتتجلى عندما تتاح لهم الفرص الملائمة فى بلدهم أو فى الخارج فيبدعون علماً وأدباً وفناً وإنتاجاً يشهد لهم به العالم فى كل مكان، وقد تجلت هذه الخصال الرائعة للشعب المصرى أيام الثورة وحظيت بإعجاب العالم، واتخذ شباب أوربا من ثوار مصر نموذجاً يحتذى.

لقد كنت أتساءل دائماً: ماذا ينقصنا لكى نصبح مثل أى بلد متقدم؟، فلدينا كل مقومات الرقى والتقدم: ثروة بشرية تزيد على الخمس وثمانين مليوناً من البشر وأراض تبلغ مساحتها مليون كيلو متر مربع ومياه نهر النيل العظيم وبحيرات وشواطئ ومياه إقليمية لبحرين وموقع جغرافى متميز ومصادر هائلة من الطاقة المتجددة ومعادن فى باطن الأرض لم تستخرج. وكانت إجابتى: الذى ينقصنا نظام حكم وطنى رشيد غير عميل لأى قوى أجنبية، لديه رؤية لمستقبل مصر وقدرة على تحقيق الاستثمار الأمثل لإمكانات مصر المهدرة والمنهوبة. وكنت أستعيد دائماً تجربة ثورة يوليو ١٩٥٢ التى حققت إنجازات رائعة لمصر خلال ١٥عاماً فقط ولو لم يتم اجهاضها والانحراف بمسارها بفعل تكاتف القوى المحلية والإقليمية والدولية المعادية لأصبحت مصر الآن فى مصاف البلدان المتقدمة.

 وعندما قامت ثورة 25 يناير مطالبة بإسقاط النظام الفاسد ارتسمت فى مخيلتى صورة لمصر كما تستحق أن تكون بعد إقامة نظام وطنى مدنى رشيد وديمقراطى يكون الإنسان المصرى فيه هو الغاية والوسيلة لتحقيق الرفاهية والتقدم: مصر ذات الاقتصاد القوى الذى يوفر احتياجات البشر جميعاً ويوفر فرص العمل المنتج لكل قادر عليه والذى تختفى فيها الأمية ويكون فيها التعليم متاحاً للجميع حتى أعلى مراحله ويتسم بالجودة العالية وينمى قدرات الشباب الإبداعية وتختفى فيها العشوائيات ويتوفر السكن الملائم لكل إنسان فيها وتزدهر فيها العلوم والثقافة والفنون وتسودها العدالة الاجتماعية وتكافؤ فرص الحياة ويرتفع مستوى الخدمات الصحية ويتمتع فيها الإنسان بكل حقوقه ويسود فيها التسامح الدينى والإخاء ومبادئ المواطنة ويعيش فيها الإنسان فى بيئة نظيفة آمنة وتذوب فيها الفوارق بين الريف والحضر وبين الطبقات وتتمتع بمكانة دولية عالية تليق بها ويعود للمصرى احترامه وتقديره أينما ذهب بدلاً مما يتعرض له من امتهان ممن لا يملكون من دنياهم سوى المال.

هذه هى الصورة التى تستحق مصر أن تكون عليها وهى التى ثار الشعب المصرى من أجل تحقيقها والتى لا يريد أعداء الإنسانية أعداء الشعب وأعداء الثورة أن تتحقق ويحشدون كل طاقاتهم من أجل إجهاضها. إنهم لا يدخرون وسعاً فى اللجوء إلى أحط الأساليب لتزييف وعى الشعب باسم الدين تارة وباسم الاستقرار تارة أخرى وبتخوين الثوار تارة ثالثة ويُسخِّرون أبواقهم فى وسائل الإعلام لتحقيق أهدافهم الأنانية المحدودة والاستمرار فى احتكار السلطة والثروة إلا أنهم شديدوا الغباء والتخلف الفكرى ذلك أنهم ما زالوا عاجزين عن فهم حقيقة ما طرأ على العالم كله من تغيرات نظراً لجهلهم بحركة التاريخ وحقيقة نضج الشعب المصرى وكسره لحاجز الخوف وفهمه لألاعيبهم لدرجة أن أصبحوا مثاراً لسخرية الشعب منهم.


إن ميادين التحرير فى مصر كلها قد أثبتت قدرة الشعب على الصمود وعلى الإصرار على تحويل الصورة التى تجب أن تكون عليها مصر إلى واقع حى مهما كان الثمن كما أثبتت قدرته على فرز القوى المعادية له وكشفها وفضحها ولن يتمكن خفافيش الظلام وتحالفات القوة الغاشمة وأصحاب أو لصوص الأموال من إعادة عقارب الساعة إلى الوراء أبداً. كل ما يمكنهم عمله هو تأخير الانطلاق ولكنهم فى نفس الوقت يعجلون بنهايتهم فلصبر الشعب عليهم حدود.


نشر بجريدة العربى الناصرى عدد 31 يوليو 2011

الثلاثاء، 12 يوليو 2011

شعب الثورة من التفاؤل إلى القلق ثم الغضب

الدكتور سمير نعيم يكتب:

شعب الثورة من التفاؤل إلى القلق ثم الغضب

ارتفع ترمومتر التفاؤل لدى عموم الشعب المصرى إلى أعلى مداه فور الإعلان فى السادسة وعشر دقائق يوم 11 فبراير عن خلع رأس النظام الذى ثار لإسقاطه. شعر الجميع أن الطريق بات ممهداً لتحقيق أحلامهم فى الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وتطلع الجميع إلى غد يتحررون فيه من الخوف من بطش السلطات، ومن الفساد الذى تغلغل فى كل مناحى الحياة، ومن التمييز بين المواطنين فى المعاملة على أساس مدى الولاء لأفراد النظام، ومن الحرمان من أبسط حقوق الإنسان.

كان خلع مبارك يمثل بالنسبة للمواطنين البسطاء قرب انتصار الإرادة الشعبية على دولة الفساد والظلم والطغيان، وانتهاء معاناتهم من عدم توفر مياه الشرب النقية والصرف الصحى فى الأحياء الشعبية والعشوائيات والقرى، ومن سوء ونقص رغيف العيش، ومن غلاء الأسعار وضعف أجور الموظفين والعمال، ومن فوضى المرور وحوادثه التى تحصد آلاف الأرواح كل عام، ومن تدنى أحوال النقل والمواصلات وانعدام فرص العلاج للفقراء وتدهور مستوى التعليم فى المدارس والجامعات ومن بطالة الشباب ومن العجز عن تكوين أسرة و إنجاب أبناء.

وكانت الثورة تمثل بالنسبة للمثقفين والمهنيين وشباب الجامعات حرية التعبير وتكوين الأحزاب وتداول السلطة والمشاركة السياسية، وكانت تمثل بالنسبة لأهل الريف والمزارعين التخلص من فساد المحليات وتحسن أحوال القرية وتوفر مستلزمات الإنتاج الزراعى والأسعار العادلة لمنتجاتهم. وتطلع الكل لاستعادة الكرامة والاحترام والشعور بالفخر بمصريتهم أمام شعوب العالم عوضاً عما كانوا يلاقونه من امتهان حيثما ذهبوا من أجل لقمة العيش.

انعكست حالة التفاؤل هذه على وجوه الناس؛ حيث حلت الابتسامة محل التجهم، كما انعكست على أحاديثهم وعلى قيمهم وسلوكياتهم. كان الجميع على أتم الاستعداد لتقديم كل ما يمكنهم للوطن، وخرج الرجال والنساء والأطفال فى مشهد حضارى رائع ينظفون الشوارع ويجملونها وينظمون المرور ويحرسون الأحياء والقرى بعد انسحاب الشرطة وإطلاق سراح المجرمين والبلطجية، واستمرت مليونيات أيام الجمعة للاحتفال بالنصر ولمتابعة تحقيق أهداف الثورة.

ولكن مع مرور الوقت أخذ ترمومتر التفاؤل لدى الناس فى الانخفاض بدرجات متفاوتة من الحدة وفقاً لسير الأحداث. كم تفاءل المصريون لسيادة روح المحبة والتآخى بميدان التحرير حين صلى المسلمون فى رعاية وحماية إخوانهم المسيحيين وصلى المسيحيون فى حماية المسلمين، وكم قلقوا وفزعوا عندما خرج خفافيش الظلام ودعاة الفرقة والفتنة يحرقون الكنائس ويهدمون الأضرحة ويقتلون الأبرياء  دون حسيب أو رقيب، وكم تفاءل المصريون حين وجهت الاتهامات للرئيس المخلوع وأعوانه الذين تقرر حبسهم على ذمة التحقيقات، ولكن بدأ القلق يساورهم عندما كانت الاتهامات بالكسب غير المشروع وليس بالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد للثوار بالرصاص الحى وبالدهس بالمصفحات وبالبغال والجمال، وازداد القلق بتأجيل المحاكمات وبقاء المخلوع فى منتجع شرم الشيخ بدلاً من طرة لاند وببقاء الكثيرين من قتلة الثوار فى مناصبهم.

وتفاءل الناس حين تم تعيين الدكتور عصام شرف رئيساً للوزراء ولكنهم اندهشوا لأن غالبية وزرائه من رجال النظام البائد، وأخذ التفاؤل يقل أكثر فأكثر مع عدم الاستجابة لمطالب الثوار وهى: تغيير القيادات فى مختلف قطاعات الدولة  التى عينها النظام وتعيين غيرهم وفقاً لأسس جديدة موضوعية، وإلغاء المحاكمات العسكرية للمدنيين وبخاصة شباب الثورة أسوة برموز النظام المتهمين بالقتل، والإصرار على تأجيل إعداد الدستور والاستفتاء عليه لما بعد الانتخابات البرلمانية،  فضلاً عن سن القوانين دون اعتبار لاتجاهات الرأى العام مثل قوانين الإضرابات والاعتصامات ومباشرة الحقوق السياسية وتكوين الأحزاب.

وبعد مرور خمسة أشهر على سقوط رأس النظام لم يلحظ المواطنون أى تحسن فى أحوالهم المعيشية أو فى مستوى الخدمات، بل إنها ساءت فى كثير من الأحوال، بل حتى لم يعلن عن أى مشروع لتخفيف الأعباء عن محدودى الدخل كما كان يقول الرئيس المخلوع. ومازال المواطنون يسيطر عليهم الخوف من البلطجية الذين يعيثون فساداً فى البلاد فى ظل حالة الانفلات الأمنى التى مازالت سائدة.

ومما زاد ترمومتر التفاؤل انخفاضاً والوجوه عبوساً وتجهماً، تشتت قوى الثورة وانشغالها بمصالحها السياسية، وبالطبع الفئوية، وتنافرها وتراجع تحقيق أهداف الثورة على قائمة أولوياتها واختفاء قضايا المواطن العادى وهموم حياته اليومية  تماماً من أجندة السادة الثوار وكافة التيارات والجماعات السياسية. قبل الثورة كانت وسائل الإعلام الحكومية والخاصة على السواء لا تخلو من عرض ومناقشة مشكلات الحياة اليومية للمواطنين وقضاياهم العامة كالبطالة والغلاء والعشوائيات وحوادث المرور التى تودى بحياة آلاف المواطنين والتى كانت من أهم اهتمامات الدكتور عصام شرف قبل توليه الوزارة، وبعد الثورة لا هم للسادة نجوم الصحافة والتوك شو ممن ينتسبون للثورة إلا مناقشة الانتخابات والأحزاب التى كونوها وموضوع البيضة والدجاجة.

كما كان قد ارتفع ترمومتر التفاؤل لدى كل المصريين عندما كفلت لهم الثورة حق التظاهر السلمى بالملايين بعد أن كان تجمع خمسة أشخاص جريمة يعاقب عليها القانون، وكم كانت حيويتهم وسعادتهم وحماسهم وهم يعبرون عن طموحاتهم وآرائهم بحرية وتحضر فى ميدان التحرير، وكم انخفض مؤشر التفاؤل حين بدأت إجراءات فض التظاهرات وإعلان تخلى السلطات عن حمايتها مما مثل دعوة للانقضاض عليها وعدم  تقبلها، وكم كانت درجة التفاؤل عندما شعر الجميع بالحرية الكاملة فى إبداء الرأى والاختلاف والنقد، وكم كانت خيبة الأمل والقلق حين بدأ تحويل النقاد من الإعلاميين والقضاة للتحقيقات.

إننى حتى الآن أتحدث عن القلق الذى أخذ يحل محل التفاؤل الحافز على العطاء والبناء والانتماء والعمل والإنتاج، وبالتالى على التقدم والرخاء، وأعتبر هذا القلق مرحلة تسبق التشاؤم ثم اليأس لدى الجماهير التى ستشعر أن دماء الشهداء راحت هباء، وأن الحلم الجميل الذى عاشوه تسرقه القوى المضادة للثورة، وحينئذ لن يصبروا ثلاثين عاماً أخرى، ذلك أنه يستحيل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء كما أن شعب مصر بعد 25 يناير غيره قبلها. وقانا الله شر كل القوى التى تسعى للمزيد من إضاعة الوقت والجهد والثروة ونشر الفوضى وضرب الاقتصاد وإعاقة  تحقيق أهداف الثورة وغرس اليأس فى نفوس الشعب، ووفقنا إلى هزيمتهم بالصمود والعودة لروح 25 يناير حتى يسود التفاؤل ونحقق كل ما فيه خير مصر.

إن الأهداف المتوافق عليها التي أعلنتها كافة القوى الوطنية المحتشدة فى ميادين التحرير فى مختلف محافظات مصر يوم جمعة الإصرار والتطهير (8 يوليو الماضى) أهداف مشروعة، والمأمول أن يعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة عن جدول زمنى لتنفيذها دون أى إبطاء حتى نتفرغ جميعاً لبناء مصر المستقبل كما تستحق أن تكون.

نشرت بجريدة العربى الناصرية، عدد 10 يوليو 2011

الاثنين، 27 يونيو 2011

الثورة وترويض الغرائز البدائية

الدكتور سمير نعيم أحمد يكتب:
الثورة وترويض الغرائز البدائية

ثورتنا إنسانية بكل معني الكلمة .
فهي لم تقم من أجل تحقيق مصلحة ذاتية فردية أو فئوية ولكنها قامت من أجل تحقيق إنسانية الإنسان في مصر بغض النظر عن عقيدته أو نوعه أوطبقته أوايديولوجيته أوثقافته .وقد ارتقي فيها الثوار فوق كل الإعتبارات الآنية من أجل صياغة مستقبل لهم و لكل خلفهم .

ويمثل ذلك في علم النفس التطوري أكثر المراحل تطورا في النموالنفسي للإنسان علي كل من المستوي الفردي ( أي التطور من الطفولة إلي الرشد ) و المستوي الحضاري ( أي التطور من المجتمعات البدائية إلي المجتمعات المتحضرة ). فالطفل منذ مولده كما نعلم جميعا يكون كتلة من الغرائز البدائية التي تحكم الكائنات قبل الإنسانية ويكون متمركزا كلية حول ذاته و لا هم له إلا إشباع رغباته الأولية أو البدائية و لا يكون للآخرين أي اعتبار لديه . إنه يكون ديكتاتورا صغيرا يفرض إرادته علي الآخرين الذين لا بد أن يلبوا طلباته فورا و دون إرجاء وهوتجسيد للأنانية المطلقة . إلا أنه سريعا ما تنمومع نموه الجسمي قدراته المعرفية و الأخلاقية و الإنفعالية ويمر بما يعرف في علم الإجتماع بعملية التطبيع الإجتماعي التي يكتسب فيها القيم و المعارف و السلوكيات التي تجعله قادرا علي الإندماج في المجتمع و أداء دوره فيه .

وخلال هذه العملية تتعدل أنانيته ويصبح للآخرين اعتبار لديه أي يكتسب قيما غيرية و تحل اللذة الآجلة لديه محل اللذة العاجلة أي يستطيع إرجاء إشباع رغباته تواؤما مع الظروف و الإمكانات ومع نموه لا تعد الغرائز أو الدوافع أو الحاجات البدائية مثل إشباع الجوع و الجنس و النوم هي المحرك الوحيد له بل تظهر لديه و تتطور دوافع أو حاجات أرقي من تلك و لا توجد إلا لدي الإنسان تسمي الحاجات المعنوية أوالروحية كالحاجة للمعرفة و العلم و الثقافة والإنتماء والهوية .

وقد مرت المجتمعات الإنسانية عموما في تطورها بنفس المراحل تقريبا : من سيادة الدوافع البدائية إلي سيادة الدوافع الإنسانية ومن الأنانية والديكتاتورية إلي الغيرية و الديموقراطية .

إلا أنه كثيراما تحدث إعاقة للنموالطبيعي للفرد بفعل عوامل مختلفه بعضها قد يكون ولاديا أووراثيا وبعضها قد يكون مكتسبا من التربية الخاطئة ومن المناخ الإجتماعي مما يترتب عليه أن يكبر الطفل ويصبح راشدا ويتقدم به العمر و مع ذلك يظل أنانيا تماما لا يقيم للآخرين أي اعتبار ويعلي مصلحته علي مصالح الآخرين بل و حتي علي مصالح الوطن حتي ولوكان في ذلك دمار المجتمع كله .فإذا ماحدث وكان هذا الكبير ( سنا ) الطفل ( نموا ) في مجتمع قطع شوطا كبيرا في التطور الإنساني فإن أمثاله يكونون قلة و يعاملهم المجتمع كمرضي أو منحرفين ويحاول علاجهم أو ترويضهم.

أما إذا كان في مجتمع أعيق نموه كما هوالحال في بلدان العالم الثالث فإن أمثاله يكونون بالكثرة التي تمكنهم من فرض استمرارية التخلف علي المجتمع مثلما فعل أعضاء العصابة الحاكمة بزعامة المختل مبارك ومثلما تفعل الآن القوي المضادة للثورة الإنسانية حيث لا تحركهم سوي غرائزهم أو دوافعهم البدائية الأنانية و الجشعة والمتوحشة و الذين يفتقدون أي رؤية مستقبلية حيث يعيشون أسري اللحظة الراهنة لا يهمهم مستقبل الوطن أو حتي مستقبل أبنائهم و أحفادهم . والأكثر من ذلك أن مرضهم يحول بينهم وبين إدراك عواقب ما يفعلون بالنسبة لهم ولا يتعظون مما حدث لأمثالهم .

واجب الثورة الآن حماية مصر من تدمير هؤلاء للوطن أولا وفي نفس الوقت ترويضهم بالإجراءات الثورية و المتحضرة : النصح و الإرشاد و التوجيه أولا و إلا فإن السجن تأديب و إصلاح و تهذيب لمن هم فيه الآن وهو في انتظار من يسمون بالفلول وماهم بفلول .

نشرت بجريدة العربي  الناصرى عدد 26 يونيو 2011

الاثنين، 13 يونيو 2011

المسكوت عنه: المعاناة اليومية للمواطنين


الدكتور سمير نعيم أحمد، يكتب:

المسكوت عنه: المعاناة اليومية للمواطنين


منذ أن تحقق أول مطلب للثوار يوم 11 فبراير بخلع رأس النظام الفاسد لم تنقطع المظاهرات والمطالب والهتافات و الوقفات والندوات والمؤتمرات و المناقشات في برامج التوك شوو علي صفحات الجرائد و المجلات و برامج التواصل الإجتماعي مثل الفيس بوك والتويتر والتي تدور علي مدار 24 ساعة يوميا .وعلي الرغم من أنها تدور حول قضايا غاية في الأهمية مثل الدستور و الإنتخابات البرلمانية والرئاسية و ترتيب الخطوات التالية إلا أن المتابع لكل ما ينشر وما يقال يلحظ غيابا شبه كامل لمشكلات الحياة اليومية للمواطنين البسطاء الذي كان انتصار الثورة يعني بالنسبة لهم قرب انتهاء معاناتهم من عدم توفر مياه الشرب النقية والصرف الصحي في الأحياء الشعبية و العشوائيات و القري و سوء و نقص رغيف العيش ومن غلو الأسعار و ضعف أجور الموظفين والعمال ومن فوضي المرور وحوادثه التي تحصد آلاف الأرواح كل عام ومن تدني أحوال النقل و المواصلات وانعدام فرص العلاج للفقراء و تدهور مستوي التعليم في المدارس والجامعات ومن بطالة الشباب و من العجزعن تكوين أسرة و إنجاب أبناء وكانت الثورة تمثل بالنسبة للمثقفين و المهنيين و شباب الجامعات حرية التعبير وتكوين الأحزاب وتداول السلطة والمشاركة السياسية وكانت تمثل بالنسبة لأهل الريف و المزارعين التخلص من فساد المحليات و تحسن أحوال القرية و توفر مستلزمات الإنتاج الزراعي والأسعار العادلة لمنتجاتهم.وتطلع الكل لإستعادة الكرامة و الإحترام و الشعور بالفخر بمصريتهم أمام شعوب العالم عوضا عما كانوا يلاقونه من امتهان حيثما ذهبوا من أجل لقمة العيش .

وبعد مرور أربعة أشهر علي سقوط رئيس النظام وبعض من أتباعه وهو ما اعتبره الكثيرون انتصارا للثورة لم يشعر المواطنون بأي تغيير إلي الأفضل في أي ناحيةمن نواحي الحياة بل سارت الأمور في الأغلب نحو الأسوأ .

ما زالت أسعار السلع الأساسية وبخاصة الغذائية منفلتة دون أي تدخل حكومي لضبط الأسعار والحد من جشع التجار وما زال الحصول علي أنبوبة البوتاجازيمثل هما كبيرا بالنسبة لمعظم الأسر حيث لا ضابط لسعرها و ازدادت حدة معاناة المواطنين البسطاء من المواصلات و بخاصة الميكروباصات التي يضطرون لإستخدامها لتدهور حالة وسائل النقل العام الحكومية والتي لا ضابط لأجرتها و خاصة مع أزمات البنزين و السولار وما زالت الأجور علي تدنيها وهناك تلكؤ في أصدار قانون الحد الأدني للأجور مع تدني هذا الحد المقترح وإغفال تحديد الحد الأقصي مما يوحي باستمرارية التفاوت الحاد في الأجور .

ومازال المواطنون الفقراء الذين هدمت منازلهم يشعرون باستمرارية التجاهل لحقهم في المسكن مما دفعهم للتظاهر في ماسبيرو . ومازالت مشاكل العشوائيات و الأحياء الشعبية مع انقطاع المياه قائمة . أما المستشفيات الحكومية فمازالت أحوالها لا تسر ويعاني المواطنون من ارتفاع تكلفة العلاج والأدوية وعدم قدرتهم علي تحمل تكلفتها .. ولم ير المواطنون أي بوادر أومشروعات لحل مشكلة البطالة التي ازدادت حدة وبخاصة في قطاع السياحة.والتشيييد والبناء.

ويعاني المواطنون من تدهور الحالة الأمنية وبخاصة في المناطق العشوائية حيث يعيشون في رعب من المجرمين و البلطجية . ومما زاد الطين بلة ما وقع أخيرا من اعتداءات علي بعض المواطنين من قبل عناصر من الشرطة وتعرض مواطنين للأذي عند فض الإحتجاجات و الإعتصامات بالقوة .

ومازال الأسفلت ينزف دما من الحوادث المرورية الخطيرة والتي ازدادت حدتها بفعل غياب شرطة المرور علي الطرق السريعة .
هناك شعور عام بخيبة الأمل لدي المواطنين ليس فقط لعدم تحقق أي من توقعاتهم بتحسن أحوالهم بعد الثورة أوعلي الأقل ظهور بصيص أمل في ذلك من خلال الإعلان عن برامج زمنية واضحة لحل المشكلات ولكن لتجاهل معاناتهم اليومية من كافة الجهات الحكومية ووسائل الإعلام.

بالنسية للمواطن البسيط لم يبق الحال علي ما هو عليه فقط ولكنه يسير نحوالأسوأ. وهولا يحمل وزر ذلك للثورة كما يأمل أعداؤها وكما يخططون فهوعلي وعي كامل
بحقيقة ما يجري من حوله خاصة وهو يري أسلوب التعامل مع من ثبت بالأدلة القاطعة و الموثقة بالصور و الفيديو أنهم قتلة للثوار والذين لم تصدر بحقهم الأحكام الواجبة حتي الآن ومحاكمة بعضهم أولا بتهم الكسب غير المشروع بدلا من تهم القتل العمد للثوار وتحويلهم للمحاكم ا لمدنية بينما يحول المواطن العادي والنشطاء للمحاكمةالعسكرية وتصدر ضده الأحكام بأسرع ما يمكن.

إن الأولوية في اهتمامات المواطن العادي البسيط وبخاصة الفقير سواء في الريف أوالحضر هي لإشباع احتياجاته الأساسية و بخاصة للقمة العيش لنفسه و لأولاده ولإحترام آدميته وبعدها تأتي موضوعات مثل الدستور والإنتخابات البرلمانية و الرئاسية و تكوين الأحزاب . هذا المواطن في أشد الحاجة لمواجهة اللحظة الراهنة
لأنها تعني بقاءه علي قيد الحياة ولا يملك رفاهية الإنتظار للمستقبل علي عكس المسئولين و الإعلاميين و المثقفين الذين تشغلهم مسائل السياسة و المستقبل فيسكتون عن الحاجات الملحة للبسطاء الذين لولاهم ما نجحت الثورة.فهل نطمع في أن نطالع في القريب العاجل الصحف تحمل عناوين بمشكلات المواطن اليومية و الحلول المقدمة لها و نشاهد كاميرات برامج التليفزيون تطوف القري و النجوع والمدن تصور أحوال المواطنين واحتياجاتهم وهل ينزل شباب الفيس بوك بقوافل لحل مشكلات المواطنين مع قوافل التوعيةالسياسية التي بدأوا بها ؟

نشرت بجريدة العربى الناصرى، عدد 12 يونيو 2011

الخميس، 2 يونيو 2011

حوار هام مع الدكتور سمير نعيم أحمد


الدكتور سمير نعيم المفكر الاجتماعي وعميد آداب عين شمس السابق‮:‬

نحن أمام ثورة بدون إجراءات ثورية

أجرت الحوار‮ :‬ صفاء نوار
ونشر بجريدة الأخبار عدد الخميس 2  يونيو 2011 

الدكتور سمير نعيم أحمد المفكر والمحلل الاجتماعي الكبير وأستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس،‮ ‬وعميد كلية الاداب السابق وعضو مجلس شعبة الدراسات الانسانية بجامعة عين شمس هو مدرسة بحثية متميزة في علم الاجتماع،‮ ‬جعل أحوال الناس وقضاياهم الحياتية محوراً‮ ‬لاهتمامه الشخصي والعلمي،‮ ‬وهو يري ان الثورة‮ ‬غيرت مصر كثيرا وان الحالة الثورية في مصر تتطلب اجراءات ثورية‮  ‬ويقدم روشتة عاجلة لاعادة الاستقرار مرة اخري وروشتة أخري للقضاء علي الفتنة الطائفية الاخبار حاورته حول مايحدث في مصر بعد الثورة وكيف نصل لبر الامان‮.‬‮


* كيف تري الأوضاع الحالية في مصر؟
‮ -  ‬مر أكثر من ثلاثة أشهر علي انتصار الثورة‮  ‬وخلع رئيس النظام يوم‮ ‬11‮ ‬فبراير الماضي‮  ‬ولم تدخر القوي المضادة‮  ‬للثورة وسعا في إشاعة حالة من الفوضي وعدم الاستقرار في البلد والسعي لإحداث الوقيعة بين الشعب وقواته المسلحة وبينه وبين الشرطة والأخطر من ذلك ضرب الوحدة الوطنية كما تبين من الإعتداءات الإجرامية علي الإخوة المسيحيين وحرق كنائسهم‮  ‬في صول والمقطم وامبابة ومهاجمة المعتصمين في ماسبيرو تزييف وعي الشعب وصرفه عن تحقيق أهداف الثورة‮. ‬وعلي العكس من ذلك يتطلع الشعب إلي تحقيق حالة من الإستقرار العام حتي يتمكن من إرساء نظام جديد علي أنقاض النظام البائد وحتي‮  ‬يمكن‮  ‬البدء في عمليات‮  ‬بناء‮  ‬مصر الإنتاج والرخاء والتقدم‮  ‬والعدالة الإجتماعية‮. ‬وقد ثبت حتي الآن عدم‮  ‬ملاءمة الأساليب التقليدية للإدارة مع ما تتطلبه الثورة من إجراءات عاجلة‮  ‬لمواجهة القوي المضادة لها‮. ‬التي تعرقل‮  ‬إقامة مجتمع الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية‮  ‬الذي‮  ‬نادت به الثورة‮. ‬


* ‬ما هذه الاجراءات العاجلة‮  ‬التي تحقق الاستقرار؟‮ ‬
‮- ‬من أهمها والتي يترتب علي الإسراع باتخاذها تحقيق الإستقرار اللازم للتفرغ‮ ‬للبناء استبعاد القيادات التي تقوم بتسيير أمور الدولة في كافة القطاعات‮  ‬في هذه المرحلة الإنتقالية والدقيقة‮  ‬ذات الولاء للنظام الفاسد‮  ‬وتغيير أسس اختيارها وليس مجرد استبدال أشخاص بغيرهم وفقا لنفس الأسلوب الذي كان يتبعه النظام والذي لم يضع أي معايير لاختيار القيادات أو لتقييم أدائهم بل وحتي لم يكن يهتم بإعلان أسباب الإختيار مما ترتب عليه أن ولاء هذه القيادات‮  ‬ظل لأفراد النظام‮  ‬مما شجع علي الفساد وأفسد العلاقة بين المواطنين والدولة بصفة عامة‮. ‬ومن أهم القطاعات التي قطاع الحكم المحلي الذي ساده الفساد فلا يجب أن يظل نفس نظام تعيين المحافظين ورؤساء‮  ‬المدن‮  ‬والأحياء والقري وغيرهم معمولا به بعد الثورة وينطبق نفس الشيء علي القيادات الجامعية‮  ‬كما تم استبدال قيادات إعلامية في كافة المؤسسات الإعلامية بغيرهم‮  ‬بنفس الأسلوب‮  ‬ودون أي إعلان عن أسس استبعاد البعض أو تعيين البعض الآخر ومن هذه المعوقات أيضا بطء العدالة التقليدي في مصر وهي الآن في ظروف الثورة مسألة مثيرة لقلق المواطنين الذين يتطلعون للقصاص من قتلة الشهداء‮  ‬وممن قاموا بالاعتداءات الوحشية عليهم‮  ‬وكل من شارك‮  ‬في انتهاك آدمية وكرامة المصريين وتوقيع العقاب السريع علي من افسدوا الحياة السياسية‮  ‬زوروا إرادة الشعب ونهبوا أموال الوطن‮. ‬ومن المعروف‮  ‬أن من موروثات الدفاع عن المتهمين في المحاكمات في مصر تعمد إطالة‮  ‬أمد‮  ‬نظر القضايا لأطول فترة ممكنة‮  ‬باتباع أساليب متنوعة للتأجيل فضلا عن استغلال كافة الثغرات القانونية والأساليب لإفساد أدلة الإدانة وإسقاط التهم وبراءة المتهمين الذين يكونون في الواقع مجرمين‮. ‬ولا يخفي علينا أن من شان ذلك استمرار قدرة هؤلاء القتلة والمجرمين علي التأثير في مجريات الأمور لصالحهم وضد مصالح الوطن عن طريق أعوانهم الطلقاء وباستخدام الأموال التي نهبوها وخبأوها‮. ‬


*‬وماذا عن الفراغ‮ ‬الامني ؟
- ‬من أهم ما يهدد الإستقرار ويعوق سرعة التفرغ‮ ‬للبناء اهتزازالحالة الأمنية‮  ‬واستمرارية البلطجة وخرق القانون مما يشجع الجماعات المتطرفة وغيرها من القوي المضادة للثورة علي إشعال الفتن واشاعة الفوضي والاضطراب يضاف إلي ذلك عدم وضوح الرؤية للمرحلة الإنتقالية وعدم إعلان الحكومة للبرامج‮  ‬والخطط التي تلتزم‮  ‬بتنفيذها خلال المرحلة الانتقالية وأيضا عدم تصدي الإعلام الرسمي والخاص لحملات تزييف وعي المواطنين وتشتيت انتباهم عن القضايا الحيوية والتي تقوم بها قوي التخلف والقوي المضادة للثورة بل ومساهمته في ذلك‮.‬
ومن الملاحظ انه حتي الآن لم يشعر المواطنون بأي بوادر للتخفيف من المعاناة في حياتهم اليومية‮  ‬بسبب تدني الأجور وارتفاع الأسعار أو بالتحسن في الخدمات التي يفترض أن تقدمها الدولة لهم مثل‮  ‬الإسكان‮  ‬والمواصلات والصحة والتعليم مما يؤجج المطالب الفئوية ويعطل سير عجلة العمل والإنتاج‮  ‬ويؤثر بالسلب علي التعاون بين الشعب والحكومة‮. ‬


* ‬كيف يتم التعامل مع ملف الفتنه الطائفية؟
- ‬لابد من فلسفة جديدة‮  ‬تماما للتعامل مع العلاقة بين المسلمين والأقباط بعد الثورة‮  ‬اساسها اعتماد مبدأ المواطنة وإلغاء كافة صور التمييز بين المواطنين علي أي أساس وبصفة خاصة أساس العقيدة وذلك بالإصدار الفوري للتشريعات التي تجرم كل صور التمييز في كافة المجالات وتعاقب علي ازدراء الأديان‮  ‬وعلي الحض علي الكراهية والعنف ضد المختلفين في العقيدة واصدار قانون دور العبادة الموحد‮.‬
وصياغة فلسفة جديدة للتعليم من حيث المقررات والكتب وأسلوب التدريس تركزعلي قيم المواطنة وحقوق الإنسان والإنتماء للوطن‮  ‬والعطاء له وتنقية المقررات من كل ما احتوت عليه من تعصبات دينية وإساءة لغير المسلمين وتجاهل للتاريخ القبطي مع إعادة تأهيل المعلمين لنشر ثقافة التسامح وتقبل الآخر‮. ‬وكذلك تغيير أساليب التدريس بحيث تعتمد علي إعمال العقل وليس التلقين‮.‬
بنشر ثقافة المواطنة والتسامح وتقبل الآخر من خلال وسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية المختلفة‮.‬
والأهم من ذلك كله صياغة مشروع قومي لنهضة مصر يلتف حوله كل المصريين‮  ‬لتحقيق‮ ‬غايات مشتركة‮   ‬فقد أثبت التاريخ‮  ‬اختفاء الطائفية‮  ‬إلي حد كبير‮  ‬إبان ثورة‮  ‬1919‮ ‬وبعد ثورة‮ ‬1952‮  ‬وكذلك‮  ‬إبان ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير‮.‬


* ‬البعض يقولون اننا مازلنا نسير علي نفس خطي الحكومة السابقة مارأيك ؟
‮ ‬
‮- ‬نعم هناك ثورة قامت لإسقاط النظام ولكن النظام لم يسقط بعد ولم يحل محله نظام جديد يحقق اهداف الثورة‮. ‬مازالت كل‮  ‬أمور الدولة تسير بنفس الأسلوب القديم‮ . ‬أي اننا أمام ثورة بدون إجراءات ثورية‮. ‬ورأيي‮  ‬أن هذا الوضع في منتهي الخطورة ويعوق الإنطلاق نحو البناء والنهضة والاستقرار ويشجع علي الفوضي ويغرس اليأس في نفوس الشعب ممما يدفع لثورة ثانية قد تكون مختلفة من حيث سلميتها‮.‬

* ‬والي متي تستمر الوقفات الاحتجاجية والمظاهرات؟
- ‬مليونيات أيام الجمعة‮  ‬لا تعطل العمل ولا تؤثر سلبا علي الإقتصاد‮  ‬كما تشيع القوي المضادة للثورة وهي سلمية ومتحضرة بل وحتي‮  ‬جذبت السياح إلي ميدان التحرير‮ . ‬وهي لمتابعة تحقيق أهداف الثورة وثبت فعاليتها في ذلك‮.‬
كل الوقفات الاحتجاجية والمطالب الفئوية‮  ‬نتيجة سير الحكومة علي نفس منوال‮  ‬حكومات مبارك‮: ‬الوعود التي لا تتحقق وعدم الشفافية وعدم الصدق والتباطؤ في حل المشكلات‮ .‬مثلا لماذا البطء في قانون تحديد الحدين الأدني والأعلي للأجور مع أنه لن يكلف الموازنة شيئا فهو مجرد توزيع عادل لها‮  ‬وسيترتب عليه انتهاء المطالبات بزيادة الأجور وكذلك ترك أسعار السلع والاحتكار بدون اتخاذ أي إجراءات للحد من جشع التجار‮. ‬ولماذا الإصرار علي الإبقاء علي القيادات الجامعية المرفوضة وتعيين محافظين مرفوضين من المواطنين مما ترتب عليه اعتصامات قنا مثلا ونفس الشئ في ماسبيرو‮.‬

* ‬هذه الوقفات تعطل الانتاج واقتصادنا علي حافة الانهيار؟
- ‬ليست الثورة مسئولة عن الاقتصاد الذي أصبح علي حافة الهاوية‮  ‬كما يشيع أعداء الثورة ورجال النظام الذي لم يسقط‮.‬
كان من الممكن أن يزدهر الإقتصاد ويتحقق الاستقرار ويفد السائحون‮  ‬ونبدأ في تغيير وجه الحياة في مصر في كافة المجالات‮  ‬إلي الأجمل والأرقي‮  ‬وفي استثمار طاقات الشباب‮  ‬ولو أنه حدثت استجابات فورية لمطالب الثورة بدلا من المساومة عليها وتقديمها قطعة قطعة كلما ضغط الثوار‮  ‬ولو ضرب بيد من حديد علي‮  ‬بلطجية النظام ودعاة الفتنة وهادموا الكنائس وقتلة المسيحيين‮  ‬ولو اتخذت اجراءات ثورية لفرض الأمن والنظام بعد انهيار الشرطة‮.‬
مصر في أشد الحاجة الآن إلي إعلاء مصلحة الوطن علي المصالح الفردية‮  ‬لأي مسئول‮. ‬نحن في مفترق طرق‮: ‬إما تحقيق حلم المصريين في مجتمع الحرية والديموقراطية والعدالة والتقدم وإما إجهاض الثورة ومحاولة تكريس الاستغلال والتخلف والظلم الاجتماعي كما يريد رموز النظام في طرة وخارجها‮  ‬وهذا ما ستترتب علي أوخم العواقب فالثورة كسرت إلي الأبد‮ ‬حاجز الخوف عند المصريين‮.‬

الأحد، 22 مايو 2011

مستقبل مصر بين عقلانية وحكمة الثوار وجهل وفوضوية الغوغاء

الدكتور سمير نعيم أحمد يكتب:
مستقبل مصر بين عقلانية وحكمة الثوار
وجهل وفوضوية الغوغاء

لم تقم ثورة 25 يناير من أجل تحقيق أى مطالب فئوية أو مطالب ذات طابع إصلاحى محدود، ولكنها قامت من أجل تحقيق مستقبل أفضل لأبناء الوطن جميعا، فى مجتمع تسوده الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتتحقق فيه إنسانية الإنسان، حيث يتحرر من الخوف والجوع والحرمان من إشباع أبسط احتياجاته الإنسانية.
لذلك هب الشعب بجميع فئاته وطوائفه استجابة لنفير الثورة فيما عدا قلة محدودة من المستفيدين من النظام الفاسد وممن كانوا خاضعين لقمعه وممن أفتوا بعدم شرعية الخروج على الحاكم. وحين نجحت الثورة فى كسر حاجزالخوف لدى المصريين جميعا وأسقطت رؤوس النظام وبدأت مصر تضع قدميها على أول طريق النهضة استغلت القلة المارقة عن الإجماع الشعبى مناخ الحرية، الذى أشاعته الثورة وإفراج السلطات عن كافة المساجين والمعتقلين السياسيين ووقف الحظر على أنشطة الجماعات الدينية والسياسية المختلفة مع حالة الانفلات الأمنى وضبابية الحكم فيما بعد الثورة، وقامت بمحاولات لتحقيق أهدافها ذات الصبغة الطائفية العنصرية غير العقلانية وغيرالوطنية، القريبة جدا من أهداف تنظيم القاعدة الإرهابى العنصرى وصنيع المخابرات المركزية الأمريكية، ولقيت هذه الجماعات المارقة عن الإجماع الوطنى بالطبع المساندة والدعم من عناصر النظام، الذى لم يسقط بعد والذين يرتعدون من إمكانية أن تطالهم عدالة الثورة.


●●●

وبدلا من أن يعتلى رموز التمييز العنصرى والطائفى (ولا أسميهم الجماعات الإسلامية أو السلفية فهم ليسوا كذلك) المنابر فى المساجد وفى القنوات الفضائية وفى تسجيلات الفيديو وفى المظاهرات للدعوة للاعتصام بحبل الله جميعا من أجل البناء والعمل لتوفير لقمة العيش لكل المصريين والقضاء على البطالة والأمية والعشوائيات والاحتكارات والاستغلال وانحطاط كافة الخدمات بل وحتى الافتقار لماء الشرب والصرف الصحى والتفاوت الحاد فى فرص الحياة، وكل ما عانوا هم وأبناؤهم مع جميع المصريين منه أقول بدلا من ذلك اعتلوا كافة المنابر التى كان مجرد الاقتراب منها محرما عليهم ويودى بهم إلى التهلكة، لكى يشعلوا نيران الفتنة ويحرضوا البسطاء من الناس باسم الدين على العدوان على إخوتهم فى بناء الوطن والذود عنه وشركائهم فى الثورة على الظلم والطغيان، فيقومون بحرق الكنائس وقتل المسيحيين. لقد اختزل هؤلاء المارقون عندما دعوا لحرق كنائس إمبابة كل أهداف الوطن إلى هدف واحد: «تحرير» امرأة مسيحية أسلمت لكى تتخلص من زوجها وتتزوج عرفيا من رجل مسلم، جامعة بين زوجين بدلا من تحرير الوطن (وبخاصة أطفيح وعزبة الزبالين وإمبابة والمناطق التى شهدت الجرائم العنصرية) من التخلف والفقر والفاقة.

أى جرم فى حق الوطن والمواطنين وفى حق الإسلام بل فى حق أنفسهم يرتكبون؟
الشعب يريد الديمقراطية والمساواة وهم ينشرون الاستبداد والتمييز. الشعب أراد ثورته سلمية وهم يسيلون الدماء ويشعلون الحرائق. الشعب أقر النظام فى ميدان التحرير وهم يشيعون الفوضى. الشعب يريد احترام القانون والدولة وهم يؤسسون لقانون الغاب. الشعب يتطلع إلى الأمام وإلى المستقبل وهم يحاولون جرجرته للخلف والردة إلى الجاهلية الأولى التى قضى عليها الإسلام. الثورة اعتمدت العقل دليلا ومرشدا وهم اعتمدوا الجهل والأمية موجها ومضللا. الثورة أولت جل الاهتمام بالجوهر وهم لا اهتمام لهم إلا بالمظهر. الثورة خاطبت المنطق وهم يخاطبون الغرائز. الثورة اعتمدت على أحدث منجزات الثورة المعلوماتية وهم مازالوا يعيشون زمن ما قبل الثورة الزراعية: رعى الأغنام والجمال والبغال. لكل ذلك حظيت الثورة باحترام وتقدير العالم أجمع بينما يحظون هم بما حظى به تنظيم القاعدة وللأسف الشديد يؤثرون سلبا على صورة مصر فى العالم وعلى الاستقرار فيها وبالتالى على اقتصادها.

●●●

لقد ساندت القوات المسلحة الثورة وقامت بحمايتها من همجية النظام وبلطجيته ولكن هذه القلة المارقة التى أعلن كل الإسلاميين الحقيقيين والشرفاء تبرؤهم منها، تجد الحماية والتشجيع والتغاضى ممن يسمون فلول النظام السابق وهم ليسوا بفلول ولكنهم القوى المناهضة للثورة، والتى مازال لديها النفوذ والمال ويهمها انحراف مسار المجتمع عن تحقيق أهداف الثورة.

نحن الآن فى أشد الحاجة إلى الطهارة الثورية التى تتمثل فى التعالى عن كل مصالح فئوية أو شخصية، وإلى أن تكون العقلانية والحكمة التى أنجحت الثورة هى الموجه لكل القرارات التى تتخذ على كافة المستويات، ونبذ كل الأسس السابقة التى كان يتبعها النظام والتى أدت برؤوسه إلى التهلكة وبمصر إلى التخلف عن ركب التقدم، والتى لن يسمح الشعب إطلاقا باستمراريتها ولن يتسامح أبدا مع من يجهضون ثورته ويحرمونه من تحقيق حلمه فى الرفاهية والحرية والتقدم.

●●●

لابد الآن وفورا من اتخاذ كافة الإجراءات التى تحقق استتباب الأمن وتطبيق قانون الطوارئ على المارقين المحرضين على الفوضى والبلطجة والفتن الطائفية، والإسراع بالقبض على مجرمى صول والمقطم وإمبابة وماسبيرو ومحاكمتهم وإصدار القوانين التى تجرم ازدراء الأديان وإشاعة الفرقة. إن الشعب يتوق إلى الاستقرار وإلى البدء فى البناء وعلى أتم الاستعداد للوقوف مع حكومة الدكتور عصام شرف والمجلس الأعلى للقوات المسلحة من أجل تحقيق الأهداف التى أسلمهم أمانة تحقيقها.

نشرت بجريدة الشروق عدد 22 مايو 2011

الاثنين، 9 مايو 2011

إنهم يريدون اغتيال الوطن

إنهم يريدون اغتيال الوطن


بقلم الدكتور سمير نعبم أحمد
أستاذ علم الإجتماع بجامعة عين شمس

ما يحدث الآن في مصر من جرائم ضد الإنسانية ومن انفلات أمني ومن اعتداء علي الكنائس و قتل للإخوة في الوطن يمثل حالة من التواطؤ بين مختلف أجنحة النظام الذي لم تنجح الثورة بعد في إسقاطه من أجل الإجهاض الكامل للثورة وتحويلها إلي مجرد إسقاط عدد محدود من رؤساء العصابة التي تحكم مصر مع الإبقاء علي العصابة بالكامل وفي سبيل تحقيق ذلك لا مانع لديهم من استخدام كافة الأساليب الإجرامية حتي ولو ترتب علي ذلك إحراق الوطن بأسره.

إنهم يعرفون تماما ما يمكن أن يحدث لهم لو سارت الثورة في مسارها الصحيح: سينكشف فسادهم وجرائمهم وكسبهم غير المشروع وعمالتهم وخياناتهم للوطن وستطالهم يد العدالة وينالون عقابهم وقد تصدر ضدهم أحكام بالإعدام بتهمة الخيانة العظمي إنهم يستميتون من أجل الحيلولة دون ذلك. لهذا فهم ينفذون الآن مخططاتهم الإجرامية بتفكيك الشعب و تكاتفه ضد الفساد و ضد العصابات الحاكمة استغلالا لكل ما هيأته هذه العصابات خلال ثلاثين عاما من مناخ التطرف والتعصب والجهل وانحطاط للوعي لدي قطاعات عديدة من الجماهير لكي يتم تشتيت اهتمامهم بفسادهم وجرائمهم وتوجيه عدوانهم نحو بعضهم البعض بدلا من أن يوجه ضدهم .

كما أنهم مصرون علي سيادة حالة عامة من الفوضي والخوف والقلق لدي الجمهور علي حياته وممتلكاته وعرضه عن طريق استمرارية الإنفلات الأمني مما يعنى تشجيع المجرمين والبلطجية علي ترويع المواطنين. ومازال رجال النظام الذي ثار الشعب لإسقاطه يتمتعون بالنفوذ والسلطة في كافة المواقع المؤثرة في الدولة و يوجهون السياسات فيها وربما ينفذون خطط إثارة الفرقة بين الشعب بما في ذلك الفتن الطائفية وتشجيع ودعم العنف و الفوضي الأمنية و تزييف وعي المواطنين وصرف اهتماماتهم عن قضاياهم المصيرية كما أنهم ما زالوا يتمتعون بالثروة الحرام يستخدمونها في تمويل الأعمال الإجرامية بما في ذلك تسليحها.

إنهم يستغلون أحط ما غرسه النظام في نفوس المصريين لسنوات طويلة من فهم أعمي و جاهل للدين و يحولون دون أي محاولات للتوعية بصحيح الدين كما يحولون دون تطبيق القانون علي مرتكبي الجرائم الطائفية مثل حرق الكنائس والإعتداءات علي الإخوة المسيحيين وبدلا من ذلك يقومون بعمل مصالحات عرفية بين القاتل وأهالي القتيل .

إنهم يقفون علي الحياد بين الظالم والمظلوم وبين القاتل والقتيل و بين الشريف و الفاسد وبين المعتدي و المعتدي عليه وبين الحق و الباطل ويحولون دون تطبيق القوانين علي المجرمين في حق الوطن. إنهم مع الفوضي ففيها حماية لهم .

إنهم يضللون الشعب و يدعون أنهم معه و كل تصرفاتهم تثبت أنهم يكنون له كل الكراهية ولا يبغون إلا اغتيال الوطن من أجل بقائهم .

إلا أنهم غافلون عن الحقيقة الساطعة مثل سطوع الشمس لأنهم أغبياء مثل نزلاء طرة : مصر بعد 25 يناير غير مصر قبلها . لم يعد بإمكانهم خداع الشعب و لم يعد أحد مهما كان في مأمن من غضبه فقد كسرت الثورة حاجزالخوف لدي المصريين إلي الأبد و الشعب أصبح قادرا علي حماية ثورته و مستقبله و لن ينجح أي خائن في إغتيال الوطن .

المهم الآن أنه لا يجب أبدا إعطاء السفلة مزيدا من الوقت للتخريب و ضرب الوحدة الوطنية في مواجهة أعداء الشعب فكل يوم يمر يمثل خسارة كبيرة ويؤجل تحقيق أهداف الثورة في الحرية و الديموقراطية و العدالة الإجتماعية ويمنح التشكيل العصابي المسمي بالنظام إمكانيات لإجهاض الثورة .

ثورة ثورة حتي النصر . تحيا مصر

استعادة البنية الأساسية للفرح

الدكتور سمير نعيم أحمد
يقدم دعوة من أجل

استعادة البنية الأساسية للفرح

من أروع اللحظات التى عشتها فى حياتى تلك التى شاركت فيها الملايين بميدان التحرير وفى مختلف أنحاء الجمهورية فرحتهم الغامرة فى السادسة وعشر دقائق يوم 11 فبراير، فور الإعلان عن رحيل مبارك عن السلطة، حيث استمر الجمهور يكبر ويهتف ويغنى ويرقص ويطوف مختلف شوارع مدن الجمهورية وقراها طوال الليل، بأعداد وبصور حضارية لم تشهدها مصر من قبل.

يومئذ أحسست أن الفرح الجماعى أو الفرح سويا بتحقيق هدف مشترك وعام طعمه ألذ وأروع كثيرا من الفرح الفردى لتحقيق هدف ذاتى، كما أحسست بمدى الجرم الذى ارتكبه النظام بحرمان المصريين من لذة الفرح الجماعى، والأخطر من ذلك مصادرته للبنية الأساسية للفرح والمرح الجماعى التى كانت متوافرة للمصريين طوال تاريخهم الطويل مع مصادرته لحرياتهم ونهبه لثرواتهم. وأعنى بالبنية الأساسية للفرح والمرح الأماكن العامة الواسعة مثل الميادين والساحات والطرقات والحدائق والإمكانات التى تحتوى عليها واللازمة للاحتفالات مثل خشبات المسارح والمقاعد ومكبرات الصوت والأدوات الموسيقية والأعلام والألعاب النارية، فضلا عن التنظيم والتأمين سواء من قبل المؤسسات الرسمية أو الشعبية.

لقد اتخذ الثوار من ميدان التحرير مركزا لانطلاق الثورة ليحولوه بعد ما تعرضوا له من عدوان إجرامى قابلوه باستبسال فى المقاومة وقدموا مئات الشهداء والمصابين، إلى مدينة فاضلة كانت وستظل نموذجا للصمود والنضال، وشيدوا فيه بجهودهم الذاتية بنية أساسية لمختلف جوانب الحياة لمدة ثمانية عشر يوما، ومن بين هذه الجوانب كان جانب المرح والفرح الجماعى مما جعل هيئة الإذاعة البريطانية تخرج فيلما وثائقيا قصيرا عن الثورة بعنوان الثورة الضاحكة.

لقد أقام الثوار المنصات التى كانت تذيع الأغانى الوطنية وإبداعات الشعراء والاسكتشات الفكاهية والهتافات والنداءات، إلى جانب كلمات التأييد للثورة ومطالبها وزودوا الميدان بكل عناصر البنية الأساسية لمختلف الأنشطة. وأصبح ميدان التحرير منذ الثورة يشكل أولى لبنات البنية الأساسية للفرح العام، ويجرى الآن إعداد منصات به بشكل دائم وتنظيم لإقامة الاحتفالات الشعبية فيه وتم فيه لأول مرة الاحتفال بشم النسيم وعزفت فيه موسيقى الجيش.

والمرجو أن يبدأ العمل فورا على استعادة أو إقامة البنية الأساسية للفرح الجماعى أو الشعبى بكل مدن وقرى مصر، والذى يتمثل فى الاحتفالات بالأعياد القومية والمحلية والمناسبات الدينية والمسابقات الفنية والأنشطة الترفيهية الجماعية مثل الرقصات والأغانى الفولكلورية فى العطلات الأسبوعية على غرار ما كان سائدا فى مصر من قبل. وما زلت أذكر أكشاك الموسيقى التى كانت تعزف فيها فرق البوليس للجمهور مجانا أيام الجمعة والأحد وفى العطلات الرسمية بالحدائق العامة مثل حديقة الأزبكية والأورمان والأندلس والحيوان وقصر النيل بالقاهرة ومثيلاتها بمدن المحافظات الأخرى، وفرق موسيقى الكشافة التى كانت تطوف شوارع الأحياء بالقاهرة والاستعراضات والاحتفالات بشوارع وميادين القاهرة فى المناسبات المختلفة مثل موكب المحمل (سفر كسوة الكعبة الشريفة إلى الحجاز) وأعياد الربيع، حيث كانت تسير مواكب الزهور البديعة على عربات للشركات والمصالح على أنغام الموسيقى بالشوارع الرئيسية بالعاصمة، وعيد وفاء النيل بحفلاته الموسيقية والغنائية على ضفاف النيل والاحتفالات بالمولد النبوى الشريف حيث كانت تقام السرادقات فى صحراء العباسية على غرار الليلة الكبيرة فى الموالد، وكذلك الاحتفالات بالأعياد القومية مثل عيد الجلاء وعيد الثورة حيث كانت تجرى استعراضات للقوات المسلحة بشوارع العاصمة وتخرج الجماهير للاحتفال وتحيتها وتطلق الألعاب النارية ليلا فى سماء المدن المصرية بتشكيلات بديعة، تسعد الجمهور ويهلل لها فرحا، وتقام الحفلات الغنائية والرياضية والفنية فى استاد القاهرة. وفى المدن الكبرى..الخ.

لقد استكثر نظام مبارك على الشعب أن يفرح فرحا جماعيا فى أى مناسبة وكان يخشى أى تجمعات فى أى مناسبات وقصر الاحتفالات بالمناسبات القومية وغيرها على زمرة محدودة فى أماكن خاصة بهم وبتكاليف باهظة. وحتى احتفالات 6 أكتوبر تم إلغاء العرض العسكرى الذى كان يجرى فى مدينة نصر منذ عام 1974 ويشاهده المواطنون فخورين بجيشهم فرحين بذكرى النصر بعد حادث المنصة عام 1981 خوفا على حياة مبارك من تكراره ولم يعد الشباب والأطفال يعرفون شيئا عن أى عيد قومى سوى أنه يوم عطلة.

مثلما سرقوا الأرض والثروة سرقوا الفرحة من نفوس الشعب ومع قيام الثورة لابد من استرداد الأرض والثروه ومعهما الفرحة، فهى حق أساسى للإنسان المصرى الذى أبتدع الأفراح الجماعية منذ فجر التاريخ.

إن توفير البنية الأساسية للأفراح الجماعية والشعبية فى مختلف المناسبات يقوى ويدعم مشاعر الانتماء للوطن ويقلل من النعرات القبلية والطائفية ويرفع الروح المعنوية للجمهور، مما يشجعه على العطاء والعمل ويقلل من التوترات النفسية والشعور بالكآبة، كما أنه يساعد على اكتشاف مواهب الشباب وعلى تنميتها وعلى نشر روح التعاون الخلاق بين المواطنين فى تنظيم الإحتفالات والمشاركة فيها، فضلا عن خلق فرص عمل للشباب وتشجيع السياحة ذلك أن من أهم ما تحتويه مواقع الترويج للسياحة فى مختلف البلدان تواريخ وأماكن الاحتفالات بالمناسبات القومية والمحلية وبرامجها، مثال ذلك الاحتفالات بيوم الباستيل أو بالعيد القومى فى كل مدن وقرى فرنسا يوم 14 يوليو والتى تجرى فيها الاستعراضات العسكرية والرياضية وتعزف الموسيقى فى الميادين العامة وتطلق الألعاب النارية مساء وتعرض الأفلام السينمائية بالحدائق ويشارك الجمهور فى الاحتفالات بالرقص والغناء ويحرص الكثيرون من السياح على زيارة فرنسا فى هذا اليوم.

فهل نبدأ من اليوم فى الإعداد للاحتفال بثورة 23 يوليو 1952 وبعدها نصر أكتوبر على غرار الاحتفال بالثورة الفرنسية وليس على غرار عرض أفلام رد قلبى والرصاصة ما زالت فى جيبى والطريق إلى إيلات، بتجهيز بنية أساسية للفرح الجماعى فى ميادين الثورة بمصر كلها مع إعداد خطة قومية للأفراح القومية وعلى رأسها الذكرى الأولى لثورة 25 يناير؟

أملى أن يولى الدكتور عصام شرف رئيس الوزراء وكل تنظيمات الثورة والمجتمع المدنى هذا الموضوع كل اهتمامهم.

نشرت بجريدة الشروق المصرية عدد 9 مايو 2011

الأحد، 3 أبريل 2011

المتحولون إساءة للثورة



الدكتور سمير نعيم يحذر:

المتحولون إساءة للثورة



المتحولون‏..‏ تسمية أطلقت علي فئة قليلة من الرجال والنساء الذين لا يحظون باحترام في أي مجتمع من المجتمعات‏,‏ لأنهم يمثلون انحرافا عن الناموس الطبيعي للإنسان وليس بالمستطاع تصنيفهم في فئة من الفئات المحددة والمعروفة, فهؤلاء الأشخاص متلونون دائما ولا مبدأ لهم وهم علي أتم الاستعداد لبيع أنفسهم لمن يدفع لهم بغض النظر عن اقتناعهم أو محبتهم له وبدون تفرقة بين شخص وآخر أو جهة أخري.



ويعرف المصريون نماذج من هذا النوع تركزت في مجال الإعلام والفكر والسياسة.. أشخاص تثبت الوثائق تحولهم من أبواق للنظام الملكي إلي أبواق لعهد الرئيس عبدالناصر وأعضاء في الاتحاد الاشتراكي, إلي أبواق للرئيس السادات وأعضاء في حزب مصر, ثم الحزب الوطني, ثم إلي أبواق للرئيس مبارك وللتوريث, وهؤلاء ملأوا الدنيا صراخا مدافعين عن مبارك ونظامه ضد الثورة, وناعتين الثوار بأفظع الصفات, وما أن تم خلع الثوار للرئيس حتي تحولوا فجأة بعملية عقلية سريعة إلي مؤيدين للثورة, ومدافعين عنها, بل وارتدوا رداء الثوار, وبدلا من توجيه خطابهم لفخامة الرئيس مبارك يهيبون به أن يستمر قائدا لمصر, نجدهم وبدون أي حياء يوجهون خطابهم لفخامة أي رئيس جديد للثورة, ويهيبون به تحقيق كل ما يتصورون أنه يريد تحقيقه.



ليس بين هؤلاء ومنهم من بدأ مشوار النفاق في العهد الملكي ومازال يجري تحولاته حتي الآن من احترمه أحد في مصر مهما احتل من مراكز, ومهما كان له من نفوذ, بل يمكن التأكيد أنه لا يحترم نفسه, ولا يحظي باحترام أسرته, ولا حتي من باع نفسه لهم. الكل يعرف كم الفساد الذي أفرز أمثال هذه الشخصيات الشائهة, وكم الفساد الذي أشاعوه في كل موقع احتله بالدور الذي لعبوه في تزييف الوعي لدي المواطنين.



إن ثورة 25 يناير التي مازالت تطالب بإسقاط كل رموز وأدوات نظام مبارك حتي تتفرغ مصر لبناء مستقبل يليق بالمصريين بناة الحضارة, لن تسمح أبدا باستمرارية هذا الصنف الشائه من الأفراد في تقديم نموذج وقدوة فاسدة للأجيال المقبلة.



ومن المثير للدهشة أن هؤلاء ومن يساندونهم من القوي المناهضة للثوروة, والراغبة في بقاء نظام مبارك مع بعض التعديلات, لا يدركون أن مصر بعد 25 يناير غير مصر قبلها, وأنه لا مكان بعد الثورة للمتحولين فيها, ولن يقبل الثوار الشرفاء أن يكون هؤلاء وصمة في جبينهم.



نشرت بجريدة الأهرام المصرية عدد 3 ابريل 2011




الجمعة، 1 أبريل 2011

تغيير القيادات الجامعية مطلب ثورى ولكن كيف؟

الدكتور سمير نعيم أحمد يكتب:



تغيير القيادات الجامعية مطلب ثورى ولكن كيف؟





تشهد الجامعات المصرية الآن سيادة رغبة عامة للتغيير لدى كل من أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم والطلاب والهيئة الإدارية والعمال. وقد تركز التغيير المطلوب فى إقصاء القيادات الجامعية الحالية وانتخاب قيادات جديدة بدءا من رؤساء الأقسام حتى رئيس الجامعة.



ومع أن الجامعات تحتاج الآن لقانون جديد تماما يحل محل القانون الحالى الذى مضى على إصداره 37 عاما وتجاوزته التطورات العالمية فى ميدان تنظيم مؤسسات البحث العلمى قبل أن تسقطه الثورة مع دستور 1971 الذى صدر فى إطاره ووفقا لأسسه الاستبدادية، إلا أن مطلب تغيير القيادات الحالية الآن التى تم تعيين معظمها بترشيحات من أمن الدولة وباعتمادها وبشرط عضوية الحزب الوطنى وعلى أسس لا علاقة لها إطلاقا بالمعايير الموضوعية لابد أن تكون له الأولوية تماما مثل مطلب تغيير قيادات الحكم المحلى وقيادات الشرطة وقيادات المؤسسات الإعلامية، نظرا لما يمكن أن يكون لهذه القيادات من تأثير معاكس على مسار التغيرات الثورية فى هذه المجالات المهمة التى كان النظام شديد الحرص على السيطرة الكاملة عليها.



إن جميع القيادات الجامعية الحالية تم تعيينها وفقا لقانون تنظيم الجامعات 43 لسنة 1972، وهذا القانون لم يحدد أى مواصفات موضوعية يشترط توافرها فيمن يشغل المناصب القيادية بالجامعات وجعل التعيين فى هذه المناصب بالاختيار الشخصى لمن بيده الأمر‏ (‏وهو ما لا نجد له مثيلا فى أى من مؤسسات الدولة الأخرى).‏ فالشرط الوحيد الواجب توافره فيمن يعين رئيسا لجامعة ما أو نائبا لرئيسها أن يكون قد شغل منصب أستاذ بأى من الجامعات المصرية وليس شرطا أن يكون من أساتذة نفس الجامعة لمدة خمس سنوات على الأقل‏ وهذا الشرط ينطبق على الآلاف من الأساتذة فى مختلف كليات جامعات مصر، فعلى أى أساس كان يتم الاختيار؟ أول أساس كان موافقة أمن الدولة ولا يهم بعد ذلك أى شىء آخر وتاريخ رئاسة الجامعات شاهد على أن المحسوبية والوساطة والمصالح والقرابة أو القرب من رئيس الوزراء الذى يقدم الترشيحات للرئيس كانت هى معايير الاختيار، وليس بالقانون ما يلزم بتوافر أى كفاءات أو خبرات أكاديمية أو إدارية.



وهذا القانون يعطى رئيس الجامعة بعد تعيينه سلطات فى جامعته تفوق سلطات أى وزير فى وزارته بل تفوق سلطات رئيس الجمهورية فى الدولة‏.‏ فهو وحده الذى يملك سلطة تعيين عمداء الكليات والتجديد أو عدم التجديد لهم‏ (‏وهم أعضاء مجلس الجامعة الذى يرأسه والمفروض أنه يمثل السلطة التشريعية بالجامعة ويراقب أداء رئيسها‏)‏. وهذا القانون لا ينص على ضرورة توافر أى شرط فى العميد سوى أن يكون أستاذا بكليته ولرئيس الجامعة أن يختار أيا من مئات الاساتذة بالكلية لمنصب العميد دون ان يكون ملزما بإبداء أى أسباب للاختيار وينطبق الشىء نفسه على وكلاء الكليات بعد اخذ رأى العميد ‏(وله أن يعمل بهذا الرأى او لا يعمل‏) وقد حدث أن رشح أحد العمداء زوجته الأستاذة بالكلية لوكالة الكلية وعينها رئيس الجامعة.‏ وللعميد أن يرشح واحدا من بين أقدم ثلاثة اساتذة بالقسم لرئاسة القسم دون إبداء الأسباب ولرئيس الجامعة أن يعين المرشح أو يعين غيره‏.‏



إن قانون تنظيم الجامعات الحالى فيما يتعلق بشغل المناصب القيادية بالجامعة يتنافى تماما مع مبدأ العقلانية وترشيد الادارة وهى السمة الاساسيه فى الاداره الحديثة ولا يتناسب مع الجامعة كمؤسسة أكاديمية ولكنه يتناسب مع أساليب الإدارة التقليدية ذات الطابع القبلى أو العائلى‏.‏ فالإدارة الحديثة تقوم على أسس رسمية لا شخصية تحددها اللوائح والقوانين ويعتمد الاختيار فى المناصب فيها على توافر خصائص مهنية وخبرات وقدرات وكفاءات تخضع للتقدير الموضوعى وتسمح بالمفاضلة بين أنسب العناصر لشغلها وعلى التنافس بين المرشحين لها وعلى تقويم أداء من يشغلها وفقا لأسس محددة.‏ قد يقال إن علاج قصور القانون يتمثل فى انتخاب القيادات الجامعية ولكن فى ذلك أيضا تدعيما لمناخ القبلية فى الجامعة‏ إذا لم توضع له قواعد موضوعية.



ويعلم كل من شارك من قدامى الأساتذة فى انتخابات العمادة قبل إلغائها عام 1994 ــ وأنا واحد منهم ــ سلبيات هذه الانتخابات التى كان من بين أهداف النظام من إقرارها إشاعة الخلاف والفرقة بين أعضاء هيئة التدريس بالجامعات فى عملية كانت مباحث أمن الدولة فى الجامعات تلعب دورا كبيرا فى توجيهها من خلال عملائها من أعضاء هيئة التدريس لينتهى الأمر بتقديم أسماء الثلاث أساتذة الحاصلين على أعلى الأصوات لرئيس الجامعة ليختار من بينهم من يعينه عميدا على هوى أمن الدولة وعلى هواه دون إبداء الأسباب.‏



إن المناصب القيادية بالجامعة لابد أن تشغل بناء على توافر خصائص موضوعيه قابلة للقياس والتقدير الدقيقين‏ كما يحدث فى جامعات العالم المتقدم‏.



إن الجامعة لابد أن يطبق بها مبدأ الرجل المناسب فى المكان المناسب وأن يكون التعيين فى المناصب القيادية بها عن طريق الإعلان عند خلو المنصب وتحديد الاشتراطات الواجب توافرها فيمن يتقدم لشغل المنصب وان تشكل لجان للمفاضلة بين المتقدمين على أسس موضوعيه واختيار أفضلهم‏ ولابد أن توضع أسس لتقويم أداء من يشغل أى من هذه المناصب تكون متسقة بالطبع مع الأسس التى لابد من وضعها لتقويم أداء الجامعة ككل‏.



ويمكن الجمع بين مبدأ الشروط الموضوعية التى لا بد من توافرها فى مختلف مستويات القيادات الجامعية وبين مبدأ الانتخاب الذى يشرك أعضاء هيئة التدريس جميعهم وليس الأساتذة فقط فى اختيار قياداتهم: رؤساء الأقسام، الوكلاء، العمداء، نواب رئيس الجامعة ورئيس الجامعة عن طريق تشكيل لجان من كبار الأساتذة تتولى فحص الطلبات المقدمة للترشح للمنصب والتأكد من انطباق الشروط المحددة على مقدميها، ثم ترتيب المتقدمين وفقا للتقديرات الحاصلين عليها من خبراتهم الأكاديمية والقيادية ومكانتهم ودورهم فى خدمة الجامعة والمجتمع...إلخ ثم يعرض الاسم أو الأسماء التى تقرها اللجنة للاستفتاء أو للانتخاب على أن يقدم كل مرشح البرنامج الذى ينوى العمل على تحقيقه فى حالة فوزه حتى يكون لدى الناخبين الأساس الذى يتخذون قرارهم بناء عليه فليس من المقبول إطلاقا أن يقوم الأساتذة بحملات انتخابية لأنفسهم أو لغيرهم كما كان يحدث فى نظام الانتخابات الملغى والذى أضر ضررا بالغا بالتقاليد الجامعية فالمطلوب أن يقوم الأساتذة بالمفاضلة بين المرشحين الأكثر كفاءة على أسس عقلانية تماما لا دخل للشللية أو المصالح الذاتية فيها.



أملنا أن تتم دراسة متأنية لموضوع القيادات بالجامعة حتى يأتى القانون الجديد مسايرا لأسس الادارة العقلانية الحديثة ومحققا لأهدافنا جميعا فى تطوير مؤسساتنا الجامعية حتى تؤدى رسالتها فى تحقيق أهداف الثورة على أكمل وجه‏. وحتى يتم وضع قانون جديد للجامعات على أنقاض القانون الحالى لابد من إعلان وزارى يشبه الإعلان الدستورى يحدد كيفية اختيار القيادات الجامعية فى هذه المرحلة الانتقالية ويمكن الاسترشاد فيه بتجربة كلية الآداب بجامعة عين شمس حيث طبقت المبادئ السابق الإشارة إليها فى اختيار عميد جديد للكلية وتم انتخاب العميد من كل أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم بالكلية وفى انتظار قرار رئيس الجامعة بتعيينه. وقد يكون تقديم جميع القيادات الحالية لاستقالاتهم والتقدم مع غيرهم لشغل المنصب وفقا للإعلان الوزارى أو القانون المؤقت خطوة تحسب لهم فى سبيل الإسراع باستقرار الأوضاع فى الجامعات المصرية.



نشرت بجريدة الشروق المصرية عدد 1 ابريل 2011


حقوق الملكية الفكرية

Copyright Disclaimer
This site does not store any files on its server. We only index and link to content provided by other sites. Please contact the content providers to delete copyright contents if any and email us, we'll remove relevant links or contents immediately.
تنويه عن حقوق الملكية
هذا الموقع لا يخزن أية ملفات تخص الكتب الموجودة عليه، وإنما نحن نشير فقط إلى وصلات لكتب توفرها مواقع أخرى. وإذا كان أياً من محتويات الموقع يخالف شروط الملكية الفكرية فيرجى مراسلة المواقع المخزن عليها الملفات لحذفها، ومراسلتنا لحذف الوصلات التى تشير إليها.