علم اجتماع الثورة
نحو علم اجتماع ثوري في العالم العربى

الاثنين، 16 يناير 2012

ماذا لو كان للثورة مجلس يقودها ويحميها ؟


بحلول 25 يناير 2012
ماذا لو كان للثورة مجلس يقودها ويحميها ؟

دكتور سمير نعيم أحمد

 عندما أعلن عمر سليمان تخلي مبارك عن منصب رئيس الجمهورية وتكليفه المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة أمور البلاد عمت الفرحة والتفاؤل والأمل جموع الشعب  بينما عم الحزن والرعب  كل  رجال النظام و المستفيدين من الفساد خشية أن تطالهم يد العدالة  فيخسرون حريتهم و ربما حياتهم و يصادر منهم ما نهبوه من أموال. وأعطي الشعب المجلس العسكري الذي  تعهد في بياناته بحماية الثورة كل ثقته وهتف له الهتاف الشهير: الجيش والشعب إيد واحدة  بينما اطمأن رجال النظام وأتباعهم إلي حد ما عندما لمسوا من المجلس العسكري تباطؤا في ملاحقة مبارك وأفراد أسرته وكبار رموز النظام الذين ظلوا طلقاء وبدون توجيه أي تهم لهم لمدة طويلة. وعندما عمت المظاهرات والاحتجاجات ربوع البلاد مطالبة بمحاسبة هؤلاء صدرت الأوامر بالتحفظ علي مبارك وولديه وكبار المسئولين في النظام ثم التحقيق معهم وتحويلهم للمحاكمات. وشهدت الشهور التي تلت تسلم المجلس العسكري زمام الأمور انحسارا لقلق وتخوف أتباع النظام من المجلس العسكري وازديادا في الثقة في حمايته لهم وعلي العكس من ذلك حدث انحسار في ثقة الثوار في حماية المجلس للثورة حتى وصل الأمر إلي المناداة بتخلي المجلس عن مهمته وتسليم السلطة لمجلس رئاسي مدني وارتفعت الهتافات بسقوط  حكم العسكر بعد سلسلة من الإجراءات التي اتخذها المجلس ضد الثوار التي بدأت بإصدار قوانين تجرم التظاهر والاعتصام بدعاوي تعطيل الأعمال والإخلال بالنظام ثم تحويل المتظاهرين للمحاكمات العسكرية السريعة وإصدار أحكام قاسية عليهم ثم توجيه الاتهامات بالعمالة والخيانة لشباب الحركات الثورية وفض التظاهرات والاعتصامات بالقوة المفرطة وقتل وإصابة الآلاف من الشباب الثائر وأخيرا استدعاء  قيادات الثورة ورموزها للتحقيق بتهم التحريض ضد المجلس العسكري وحبس البعض منهم. وفي المقابل لم يصدر حكم حتى الآن ضد القلة من قتلة الثوار الذين حولوا للمحاكمات بينما ظلت أغلبيتهم بمنأى عن المساءلة ومازال رجال النظام يتربعون علي كراسي مختلف الإدارات الحكومية والحكم المحلي  ويتولون المناصب الوزارية ورئاسة مجلس الوزراء. ويترشحون مع أعضاء الحزب الوطني المنحل لمجلسي الشعب والشورى ورئاسة الجمهورية .

 ولم  يشعر المواطنون بأي تحسن في ظروفهم المعيشية وفي مستوي الخدمات الحكومية بل علي العكس تماما ازدادت معاناتهم في حياتهم اليومية فقد أصبح المواطن يعاني من الانفلات الأمني وانتشار البلطجية في كل مكان ومن انفلات الأسعار ومن ازدياد حدة البطالة واستمرار استغلاله في كل مجال. وبذل النظام جهدا فائقا في محاولات إيهام المواطنين بأن سبب معاناتهم يرجع للثوار الذين يريدون الخراب للبلاد وإسقاط الدولة والجيش.

مر عام كامل عل انطلاق الثورة المجيدة التي استحوذت علي إعجاب شعوب العالم ولم يتحقق لمصر من أهدافها المعلنة شيء يذكر. وقد يقال أن الإطاحة بمبارك وبعض رجاله وتحويلهم للمحاكمات وأجراء انتخابات مجلس الشعب تمثل تحقيقا لأهداف الثورة مما يستحق إقامة الاحتفالات بانتصار الثورة يوم ٢٥ يناير إلا أن هذا القول يحيل الثورة إلي انقلاب يتم بمقتضاه تغيير شخص رئيس الدولة وتغيير أعضاء مجلس الشعب وأن وضع دستور جديد سيترتب عليه تحقيق أهداف المصريين جميعا وبالتالي لابد من التوقف عن أي مطالب من أي نوع والتوقف عن التظاهرات والاحتجاجات وإعلان نجاح الثورة أو انتهائها.
وأول رد علي ذلك أنه حتى ولو صح هذا القول فإن مصر قد فقدت عاما كاملا آخر يضاف إلي ما أهدره النظام من سنوات كان من الممكن لو لم تنهب فيها ثروات مصر أن تكون قد قطعت خطوات واسعة علي طريق التقدم والرفاهية.


 تري ماذا كان من الممكن أن يحققه الشعب المصري خلال هذا العام لو كان الثوار قد شكلوا مجلسا للثورة يتولي قيادتها وحمايتها من المؤامرات التي حيكت ضدها ومن مخططات إجهاضها؟

أتصور أنه لو كان للثورة مجلس قيادة ممثل لمختلف القوي المشاركة في الثورة والمستفيدة منها لما قبل أن يقوم  رئيس ثار الشعب ضده وأسقطه بتكليف من يقوم بإدارة شئون البلاد وبعد أن يعلن تخليه عن الحكم بالمخالفة للدستور القائم وقتئذ وكان إما أن يصدر قرارا بقيام رئيس المحكمة الدستورية بتولي مهام رئيس الجمهورية والدعوة لأجراء انتخابات رئاسية خلال ستين يوما وفقا لنص دستور ١٩٧١ أو يعلن وقف العمل بهذا الدستور ويقرر قيام مجلس قيادة الثورة بمهام رئيس الدولة لحين انتخاب رئيس جديد. وفي هذه الحالة كان دور المجلس الأعلى للقوات المسلحة سيظل  حماية التراب والأمن القومي وحماية الثورة دون التحول إلي دور سياسي.
وأتصور أيضا أن أول مهمة كان سيقوم بها هذا المجلس هي تأمين الثورة وحمايتها من مؤامرات ألد أعدائها في الداخل أي رجال النظام. وكان سيجري القبض علي كل رؤوس النظام وكل من توجه لهم تهم قتل الثوار وأصابتهم والمحرضين لهم وكل من توجه لهم تهم الفساد ونهب ثروات مصر والتحقيق معهم وعقد المحاكمات   لهم مع سرعة اصدار الأحكام وأيضا اتخاذ اجراءات العزل السياسي لكل من أفسدوا الحياة السياسية وعلي رأسهم أعضاء الحزب الوطني وتطهير مؤسسات الدولة من القيادات الفاسدة ووضع معايير موضوعية لاختيار وتعيين هذه القيادات وبخاصة المحافظين ورؤساء الجامعات والمؤسسات الإعلامية واعتماد مبدأ الانتخاب مع الكفاءة.


 وأتصور أنه كان سيكون علي رأس أولويات مجلس قيادة الثورة  تشكيل حكومة  ممثلة  للثوار لا يكون بين أعضائها أيا ممن خدموا في النظام ودانوا له بالولاء وأحاطت بهم الشبهات تعمل وفقا لإستراتيجية معلنة لتحقيق أهداف الثورة في المرحلة الانتقالية وتولي كل اهتمامها للأحوال المعيشية للمواطنين وتواجه جشع التجار وتعالج تدهور الخدمات الحكومية مع وضع ميزانية للدولة وفق فلسفة الثورة التي تركز علي العدالة الاجتماعية وإشباع الاحتياجات الأساسية لجميع المواطنين مع الاهتمام بالفئات والمناطق الأكثر حرمانا .

وكان لابد أن تولي هذه الحكومة كل اهتمام بأسر الشهداء وبالمصابين وتكرمهم جميعا تقديرا لبطولتهم وتضحياتهم في سبيل الوطن.
ومن المنطقي أن مجلس قيادة الثورة كان سيستفتي الشعب لا علي تعديلات للدستور الذي أسقطته الثورة ولكن علي ترتيب خطوات بناء النظام الجديد: مثل تكوين جمعية تأسيسية لإعداد الدستور وصياغته وعرضه علي كل قطاعات المجتمع لمناقشته ثم الاستفتاء عليه ثم إصدار القوانين المنظمة لعملية انتخابات المجلس التشريعي بحيث يتم تجريم شراء الأصوات واستخدام الدين في الدعاية الانتخابية وإعطاء الفرصة الكافية للحركات والجماعات الثورية لتنظيم نفسها حتى يكون هناك تكافؤ فرص بينها وبين الجماعات والأحزاب القديمة وينطبق نفس الشيء علي انتخابات رئيس الجمهورية.


إذا كان للثورة مجلس قيادة  يمثل الثوار تمثيلا حقيقيا ويستجيب لرغبات الشعب ويشركه معه في اتخاذ القرارات وينحاز للثورة لا للنظام الذي قامت الثورة لإسقاطه لوقف بالمرصاد لأعداء الثورة والشعب ولأشرك معه شباب الثورة الذي شكل لجانه الشعبية لحفظ الأمن والنظام إبان أيام الثورة في التصدي لهم ولم تكن مصر لتخسر ما خسرته من أرواح وممتلكات وأموال نتيجة ما قام به بلطجية النظام من جرائم قتل وترويع للمواطنين ونهب ممتلكاتهم وحرق للكنائس وقتل المواطنين المسيحيين ثم قتل المتظاهرين والاعتداء عليهم  بالتنسيق مع قوات الأمن والشرطة العسكرية.

كان مجلس قيادة الثورة والحكومة الثورية التي يشكلها سيشجع ويدعم الروح الثورية ومشاعر الانتماء التي سادت لدي الشباب والتي عبرت عن نفسها في العطاء بلا حدود للوطن ويستثمر ذلك في أنشطة انتاجية وخدمية ويشجعهم علي تكوين كتائب للتعمير والإنتاج بدعم من رجال الأعمال الشرفاء الذين يخلقون مشروعات تستوعب العمالة العاطلة .

   وفي ظل سيادة الأمن في ربوع البلاد بفعل إعادة هيكلة جهاز الشرطة وتطهيره من رجال النظام ومحاكمة قتلة الثوار والاعتماد علي الأغلبية الشريفة والمخلصة للوطن والمؤمنة بأهداف الثورة كان لابد من تشجيع أصحاب رؤوس الأموال المحليين والعالميين علي الاستثمار في مصر وكانت السياحة تزدهر بفعل ما تمتعت به مصر بعد الثورة من مكانة وكان ميدان التحرير ذاته سيصبح مزارا سياحيا عالميا .

إن روح الثورة وما أثبتته من قدرات ابداعية رائعة لدي الشباب المصري ومن رغبة أكيدة في العمل علي الارتقاء بالوطن كانت في حاجة إلي خلق أطر مؤسسية تمكنهم من صياغة مشروعات تنموية في كل ميدان من ميادين الحياة في مصر. وقد شاهدنا وشاهد العالم معنا شبابنا وشيوخنا وأطفالنا ونساءنا وهم يقومون برفع القمامة من الشوارع وتنظيفها وتجميلها كما شاهدناهم يقومون بحملات التوعية للمواطنين بأهداف الثورة ولكن اختفي ذلك نظرا لعدم الاهتمام بخلق الإطار المؤسسي الذي يحتويهم.

بحلول الذكري الأولي لثورة ٢٥ يناير كان من الممكن أن يكون لمصر دستور يمثل ركيزة مشروع قومي نهضوى قوامه العدالة الاجتماعية والحرية والديموقراطية ومجلس نيابي يمثل الشعب المصري بكافة قواه الاجتماعية والسياسية تمثيلا حقيقيا صادقا وحكومة تمثل الثورة وتتبني أهدافها ورئيس منتخب أو علي وشك الانتخاب وكان الشعب ملتفا حول قيادته وحكومته التي جعلته يشعر بتحسن أحواله المعيشية وبتوفر الأمن والأمان وبالتفاؤل والأمل في مستقبل أفضل.

وكانت الاحتفالات بعيد الثورة الأول تضم كافة طوائف الشعب في ميادين التحرير في كل أنحاء مصر لأنه ليست هناك ميادين أخري مناهضة له. كان الجميع يترحمون علي  الشباب الذي استشهد حتى يوم خلع مبارك وتسلم مجلس قيادة الثورة مسؤولية إدارة شئون البلاد أمام النصب التذكارية لهم وكان سيكون بين المترحمين عليهم كل الذين قتلهم النظام الذي لم يسقط منذ فبراير ٢٠١١ حتى يومنا هذا وكان الشعب سيقف إجلالا واحتراما لكل جنود وضباط الشرطة التي سهرت علي أمن البلاد واحترمت الإنسان المصري ولجنود وضباط القوات المسلحة الذين سهروا علي حماية التراب الوطني وشعب مصر العظيم. كانت الذكري الأولي للثورة ستشهد شعبا موحدا حول أهداف مشتركة بدلا من شعب تعمدوا تقسيمه بين تحرير وعباسية شعب يفخر بثواره وشبابه بدلا من شعب يعاني أبطاله من الاتهام بالخيانة والعمالة والبلطجة.

فلندع الله جميعا أن ينصر الثورة وأن يدحر أعداْها وأن تأتي الذكري الثانية لأعظم ثورة مصرية وقد تحقق لمصر كل ما استشهد من أجله زهرة شبابها: العزة والكرامة والمكانة والعدالة والتقدم والرقي. 

نشرت بجريدة العربى الناصرية عدد 15 يناير 2012

 

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حقوق الملكية الفكرية

Copyright Disclaimer
This site does not store any files on its server. We only index and link to content provided by other sites. Please contact the content providers to delete copyright contents if any and email us, we'll remove relevant links or contents immediately.
تنويه عن حقوق الملكية
هذا الموقع لا يخزن أية ملفات تخص الكتب الموجودة عليه، وإنما نحن نشير فقط إلى وصلات لكتب توفرها مواقع أخرى. وإذا كان أياً من محتويات الموقع يخالف شروط الملكية الفكرية فيرجى مراسلة المواقع المخزن عليها الملفات لحذفها، ومراسلتنا لحذف الوصلات التى تشير إليها.