الدكتور سمير نعيم أحمد يكتب:
الثورة وترويض الغرائز البدائية
ثورتنا إنسانية بكل معني الكلمة .
فهي لم تقم من أجل تحقيق مصلحة ذاتية فردية أو فئوية ولكنها قامت من أجل تحقيق إنسانية الإنسان في مصر بغض النظر عن عقيدته أو نوعه أوطبقته أوايديولوجيته أوثقافته .وقد ارتقي فيها الثوار فوق كل الإعتبارات الآنية من أجل صياغة مستقبل لهم و لكل خلفهم .
ويمثل ذلك في علم النفس التطوري أكثر المراحل تطورا في النموالنفسي للإنسان علي كل من المستوي الفردي ( أي التطور من الطفولة إلي الرشد ) و المستوي الحضاري ( أي التطور من المجتمعات البدائية إلي المجتمعات المتحضرة ). فالطفل منذ مولده كما نعلم جميعا يكون كتلة من الغرائز البدائية التي تحكم الكائنات قبل الإنسانية ويكون متمركزا كلية حول ذاته و لا هم له إلا إشباع رغباته الأولية أو البدائية و لا يكون للآخرين أي اعتبار لديه . إنه يكون ديكتاتورا صغيرا يفرض إرادته علي الآخرين الذين لا بد أن يلبوا طلباته فورا و دون إرجاء وهوتجسيد للأنانية المطلقة . إلا أنه سريعا ما تنمومع نموه الجسمي قدراته المعرفية و الأخلاقية و الإنفعالية ويمر بما يعرف في علم الإجتماع بعملية التطبيع الإجتماعي التي يكتسب فيها القيم و المعارف و السلوكيات التي تجعله قادرا علي الإندماج في المجتمع و أداء دوره فيه .
وخلال هذه العملية تتعدل أنانيته ويصبح للآخرين اعتبار لديه أي يكتسب قيما غيرية و تحل اللذة الآجلة لديه محل اللذة العاجلة أي يستطيع إرجاء إشباع رغباته تواؤما مع الظروف و الإمكانات ومع نموه لا تعد الغرائز أو الدوافع أو الحاجات البدائية مثل إشباع الجوع و الجنس و النوم هي المحرك الوحيد له بل تظهر لديه و تتطور دوافع أو حاجات أرقي من تلك و لا توجد إلا لدي الإنسان تسمي الحاجات المعنوية أوالروحية كالحاجة للمعرفة و العلم و الثقافة والإنتماء والهوية .
وقد مرت المجتمعات الإنسانية عموما في تطورها بنفس المراحل تقريبا : من سيادة الدوافع البدائية إلي سيادة الدوافع الإنسانية ومن الأنانية والديكتاتورية إلي الغيرية و الديموقراطية .
إلا أنه كثيراما تحدث إعاقة للنموالطبيعي للفرد بفعل عوامل مختلفه بعضها قد يكون ولاديا أووراثيا وبعضها قد يكون مكتسبا من التربية الخاطئة ومن المناخ الإجتماعي مما يترتب عليه أن يكبر الطفل ويصبح راشدا ويتقدم به العمر و مع ذلك يظل أنانيا تماما لا يقيم للآخرين أي اعتبار ويعلي مصلحته علي مصالح الآخرين بل و حتي علي مصالح الوطن حتي ولوكان في ذلك دمار المجتمع كله .فإذا ماحدث وكان هذا الكبير ( سنا ) الطفل ( نموا ) في مجتمع قطع شوطا كبيرا في التطور الإنساني فإن أمثاله يكونون قلة و يعاملهم المجتمع كمرضي أو منحرفين ويحاول علاجهم أو ترويضهم.
أما إذا كان في مجتمع أعيق نموه كما هوالحال في بلدان العالم الثالث فإن أمثاله يكونون بالكثرة التي تمكنهم من فرض استمرارية التخلف علي المجتمع مثلما فعل أعضاء العصابة الحاكمة بزعامة المختل مبارك ومثلما تفعل الآن القوي المضادة للثورة الإنسانية حيث لا تحركهم سوي غرائزهم أو دوافعهم البدائية الأنانية و الجشعة والمتوحشة و الذين يفتقدون أي رؤية مستقبلية حيث يعيشون أسري اللحظة الراهنة لا يهمهم مستقبل الوطن أو حتي مستقبل أبنائهم و أحفادهم . والأكثر من ذلك أن مرضهم يحول بينهم وبين إدراك عواقب ما يفعلون بالنسبة لهم ولا يتعظون مما حدث لأمثالهم .
واجب الثورة الآن حماية مصر من تدمير هؤلاء للوطن أولا وفي نفس الوقت ترويضهم بالإجراءات الثورية و المتحضرة : النصح و الإرشاد و التوجيه أولا و إلا فإن السجن تأديب و إصلاح و تهذيب لمن هم فيه الآن وهو في انتظار من يسمون بالفلول وماهم بفلول .
نشرت بجريدة العربي الناصرى عدد 26 يونيو 2011
0 التعليقات:
إرسال تعليق