الدكتور سمير نعيم يكتب:
شعب الثورة من التفاؤل إلى القلق ثم الغضب
شعب الثورة من التفاؤل إلى القلق ثم الغضب
ارتفع ترمومتر التفاؤل لدى عموم الشعب المصرى إلى أعلى مداه فور الإعلان فى السادسة وعشر دقائق يوم 11 فبراير عن خلع رأس النظام الذى ثار لإسقاطه. شعر الجميع أن الطريق بات ممهداً لتحقيق أحلامهم فى الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وتطلع الجميع إلى غد يتحررون فيه من الخوف من بطش السلطات، ومن الفساد الذى تغلغل فى كل مناحى الحياة، ومن التمييز بين المواطنين فى المعاملة على أساس مدى الولاء لأفراد النظام، ومن الحرمان من أبسط حقوق الإنسان.
كان خلع مبارك يمثل بالنسبة للمواطنين البسطاء قرب انتصار الإرادة الشعبية على دولة الفساد والظلم والطغيان، وانتهاء معاناتهم من عدم توفر مياه الشرب النقية والصرف الصحى فى الأحياء الشعبية والعشوائيات والقرى، ومن سوء ونقص رغيف العيش، ومن غلاء الأسعار وضعف أجور الموظفين والعمال، ومن فوضى المرور وحوادثه التى تحصد آلاف الأرواح كل عام، ومن تدنى أحوال النقل والمواصلات وانعدام فرص العلاج للفقراء وتدهور مستوى التعليم فى المدارس والجامعات ومن بطالة الشباب ومن العجز عن تكوين أسرة و إنجاب أبناء.
وكانت الثورة تمثل بالنسبة للمثقفين والمهنيين وشباب الجامعات حرية التعبير وتكوين الأحزاب وتداول السلطة والمشاركة السياسية، وكانت تمثل بالنسبة لأهل الريف والمزارعين التخلص من فساد المحليات وتحسن أحوال القرية وتوفر مستلزمات الإنتاج الزراعى والأسعار العادلة لمنتجاتهم. وتطلع الكل لاستعادة الكرامة والاحترام والشعور بالفخر بمصريتهم أمام شعوب العالم عوضاً عما كانوا يلاقونه من امتهان حيثما ذهبوا من أجل لقمة العيش.
انعكست حالة التفاؤل هذه على وجوه الناس؛ حيث حلت الابتسامة محل التجهم، كما انعكست على أحاديثهم وعلى قيمهم وسلوكياتهم. كان الجميع على أتم الاستعداد لتقديم كل ما يمكنهم للوطن، وخرج الرجال والنساء والأطفال فى مشهد حضارى رائع ينظفون الشوارع ويجملونها وينظمون المرور ويحرسون الأحياء والقرى بعد انسحاب الشرطة وإطلاق سراح المجرمين والبلطجية، واستمرت مليونيات أيام الجمعة للاحتفال بالنصر ولمتابعة تحقيق أهداف الثورة.
ولكن مع مرور الوقت أخذ ترمومتر التفاؤل لدى الناس فى الانخفاض بدرجات متفاوتة من الحدة وفقاً لسير الأحداث. كم تفاءل المصريون لسيادة روح المحبة والتآخى بميدان التحرير حين صلى المسلمون فى رعاية وحماية إخوانهم المسيحيين وصلى المسيحيون فى حماية المسلمين، وكم قلقوا وفزعوا عندما خرج خفافيش الظلام ودعاة الفرقة والفتنة يحرقون الكنائس ويهدمون الأضرحة ويقتلون الأبرياء دون حسيب أو رقيب، وكم تفاءل المصريون حين وجهت الاتهامات للرئيس المخلوع وأعوانه الذين تقرر حبسهم على ذمة التحقيقات، ولكن بدأ القلق يساورهم عندما كانت الاتهامات بالكسب غير المشروع وليس بالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد للثوار بالرصاص الحى وبالدهس بالمصفحات وبالبغال والجمال، وازداد القلق بتأجيل المحاكمات وبقاء المخلوع فى منتجع شرم الشيخ بدلاً من طرة لاند وببقاء الكثيرين من قتلة الثوار فى مناصبهم.
وتفاءل الناس حين تم تعيين الدكتور عصام شرف رئيساً للوزراء ولكنهم اندهشوا لأن غالبية وزرائه من رجال النظام البائد، وأخذ التفاؤل يقل أكثر فأكثر مع عدم الاستجابة لمطالب الثوار وهى: تغيير القيادات فى مختلف قطاعات الدولة التى عينها النظام وتعيين غيرهم وفقاً لأسس جديدة موضوعية، وإلغاء المحاكمات العسكرية للمدنيين وبخاصة شباب الثورة أسوة برموز النظام المتهمين بالقتل، والإصرار على تأجيل إعداد الدستور والاستفتاء عليه لما بعد الانتخابات البرلمانية، فضلاً عن سن القوانين دون اعتبار لاتجاهات الرأى العام مثل قوانين الإضرابات والاعتصامات ومباشرة الحقوق السياسية وتكوين الأحزاب.
وبعد مرور خمسة أشهر على سقوط رأس النظام لم يلحظ المواطنون أى تحسن فى أحوالهم المعيشية أو فى مستوى الخدمات، بل إنها ساءت فى كثير من الأحوال، بل حتى لم يعلن عن أى مشروع لتخفيف الأعباء عن محدودى الدخل كما كان يقول الرئيس المخلوع. ومازال المواطنون يسيطر عليهم الخوف من البلطجية الذين يعيثون فساداً فى البلاد فى ظل حالة الانفلات الأمنى التى مازالت سائدة.
ومما زاد ترمومتر التفاؤل انخفاضاً والوجوه عبوساً وتجهماً، تشتت قوى الثورة وانشغالها بمصالحها السياسية، وبالطبع الفئوية، وتنافرها وتراجع تحقيق أهداف الثورة على قائمة أولوياتها واختفاء قضايا المواطن العادى وهموم حياته اليومية تماماً من أجندة السادة الثوار وكافة التيارات والجماعات السياسية. قبل الثورة كانت وسائل الإعلام الحكومية والخاصة على السواء لا تخلو من عرض ومناقشة مشكلات الحياة اليومية للمواطنين وقضاياهم العامة كالبطالة والغلاء والعشوائيات وحوادث المرور التى تودى بحياة آلاف المواطنين والتى كانت من أهم اهتمامات الدكتور عصام شرف قبل توليه الوزارة، وبعد الثورة لا هم للسادة نجوم الصحافة والتوك شو ممن ينتسبون للثورة إلا مناقشة الانتخابات والأحزاب التى كونوها وموضوع البيضة والدجاجة.
كما كان قد ارتفع ترمومتر التفاؤل لدى كل المصريين عندما كفلت لهم الثورة حق التظاهر السلمى بالملايين بعد أن كان تجمع خمسة أشخاص جريمة يعاقب عليها القانون، وكم كانت حيويتهم وسعادتهم وحماسهم وهم يعبرون عن طموحاتهم وآرائهم بحرية وتحضر فى ميدان التحرير، وكم انخفض مؤشر التفاؤل حين بدأت إجراءات فض التظاهرات وإعلان تخلى السلطات عن حمايتها مما مثل دعوة للانقضاض عليها وعدم تقبلها، وكم كانت درجة التفاؤل عندما شعر الجميع بالحرية الكاملة فى إبداء الرأى والاختلاف والنقد، وكم كانت خيبة الأمل والقلق حين بدأ تحويل النقاد من الإعلاميين والقضاة للتحقيقات.
إننى حتى الآن أتحدث عن القلق الذى أخذ يحل محل التفاؤل الحافز على العطاء والبناء والانتماء والعمل والإنتاج، وبالتالى على التقدم والرخاء، وأعتبر هذا القلق مرحلة تسبق التشاؤم ثم اليأس لدى الجماهير التى ستشعر أن دماء الشهداء راحت هباء، وأن الحلم الجميل الذى عاشوه تسرقه القوى المضادة للثورة، وحينئذ لن يصبروا ثلاثين عاماً أخرى، ذلك أنه يستحيل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء كما أن شعب مصر بعد 25 يناير غيره قبلها. وقانا الله شر كل القوى التى تسعى للمزيد من إضاعة الوقت والجهد والثروة ونشر الفوضى وضرب الاقتصاد وإعاقة تحقيق أهداف الثورة وغرس اليأس فى نفوس الشعب، ووفقنا إلى هزيمتهم بالصمود والعودة لروح 25 يناير حتى يسود التفاؤل ونحقق كل ما فيه خير مصر.
إن الأهداف المتوافق عليها التي أعلنتها كافة القوى الوطنية المحتشدة فى ميادين التحرير فى مختلف محافظات مصر يوم جمعة الإصرار والتطهير (8 يوليو الماضى) أهداف مشروعة، والمأمول أن يعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة عن جدول زمنى لتنفيذها دون أى إبطاء حتى نتفرغ جميعاً لبناء مصر المستقبل كما تستحق أن تكون.
نشرت بجريدة العربى الناصرية، عدد 10 يوليو 2011
0 التعليقات:
إرسال تعليق