الدكتور سمير نعيم يكتب:
بين محاكمة مبارك ومحاكمة النظام
بين محاكمة مبارك ومحاكمة النظام
تمثل المحاكمة العلنية للرئيس المخلوع محمد حسني السيد مبارك ونجليه مع بعض كبار رموز النظام بتهم قتل الثوار و الفساد علامة فارقة في التاريخ المصري من حيث أنها انتصار لإرادة الشعب و خطوة علي طريق تحقيق أهداف الثورة بصفة عامة و إرساء دولة القانون الذي يطبق علي كل المواطنين دون تمييز بصفة خاصة .
ولو أن هذه الخطوة كانت قد اتخذت فور نجاح الثورة في خلعه يوم 11 فبراير لجنبت مصر الكثير من عدم الإستقرار و القلق بل و إراقة دماء المزيد من شهداء الثورة . ويجب أن يكون في ذلك عبرة لكل مسؤول يتسبب في إرجاء اتخاذ الإحراءات لتحقيق مطالب الثورة . و أهمها إسقاط النظام الذي شيدته العصابات الحاكمة ومكنها من نهب ثروات مصر و الإستئثار بالسلطة و إفقار و إذلال الشعب .
و أعني بالنظام ترسانة القوانين التي تحكم أداء مختلف مؤسسات الدولة الإقتصادية و السياسية و الإجتماعية و الثقافية و التي سنها المجلس النيابي الذي كان يتشكل بانتخابات صورية مزورة لتكون أغلبيته غير ممثلة للشعب ويكون كل همها إضفاء الشرعية علي أعمال النهب المنظمة في مقابل ما يحصلون عليه من حصص فيما ينهب إضافة إلي كل اللوائح و القرارات التي يصدرها الوزراء لتنظيم العمل في وزاراتهم دون رقيب أو حسيب .وهذا هو النظام الذي ثار الشعب من أجل إسقاطه فهو لم يثر لمجرد الإطاحة برئيس أو برجال بعينهم لكي يأتي بغيرهم بنفس القواعد ولكي يمارسوا الحكم بنفس القوانين التي سنها ترزية القوانين في عهد الرئيس المخلوع .
لذلك أري أننا أهدرنا الكثير من الوقت بفعل التباطؤ في القبض علي المجرمين و تحويلهم للتحقيق ثم المحاكمات و الإنشغال بتكوين الأحزاب والترشح لرئاسة الجمهورية وقضية الدستور أولا أم الإنتخابات و أهملنا محاكمة النظام أي فحص كل القوانين و اللوائح التي أصدرتها الجماعات الحاكمة . وكان الأجدي بنا أن نكون فرقا من المتخصصين في كل مجال من مجالات حياتنا تكون مهمتها فحص القوانين في مجالها و تحليلها و اقتراح التعديلات لها ثم عرضها للنقاش العام في مؤتمرات شعبية تمهيدا لإتخاذ إجراءات إصدارها .
و من أهم القوانين واللوائح التي تحتاج لفحص و تغيير فوري تلك المتعلقة باختيار القيادات في مختلف مؤسسات الدولة نظرا لأهميتها البالغة من حيث تأثير هذه القيادات علي سير المرحلة الحساسة القادمة فيما يتعلق بالإنتخابات لمجلس الشعب و الرئاسة .لقد وضع مبارك و رجاله نظاما لإختيار القيادات في كل مؤسسات الدولة بحيث يضمنون ولاءها لهم و تحقيق مصالحهم بغض النظر عن مصالح المجتمع وكان هذا النظام لا يعتمد علي أي قواعد موضوعية كما أنه لم يكن معلنا وكان الإختيار يتم علس أسس شخصية كالقرابة و المحسوبية و علي أساس ترشيحات أمن الدولة وعلي أساس مكافأة من يتفانون في تحقيق مصالح رجال الحكم وأقاربهم و أعوانهم .
من منا يعرف علي أي أساس يتم اختيار رئيس الحكومة و الوزراء ومن منا يعرف علي أي أساس يتم اختيار المحافظين و رؤساء المدن ورؤساء الأحياء . وعل أي أساس يتم اختيار رؤساء الجامعات و العمداء و كذلك رؤساء مجاس إدارة الصحف المسماة بالقومية و رؤساء التحرير بها و كذلك مختلف الرئاسات في الإذاعة و التليفزيون . هذه ثلاث قطاعات فقط اخترتها لأنها الأكثر تأثيرا و ربما حسما في المرحلة الحالية . و من الؤسف أن عملية اختيار هذه القيادات تتم بعد الثورة علي نفس الأساس الذي أرساه مبارك و رجاله .
فإذا ما أتينا للجانب الإقتصادي لراعنا كم القوانين التي صدرت لتمكين رجال الحكم و أعوانهم من نهب ثروات مصر .لابد من فحص ( محاكمة ) كل قوانين الخصخصة و بيع شركات القطاع العام و تلك التي شردت عشرات الآلاف من العاملين بها والقوانين المتعلقة بتخصيص وبيع أراضي الدولة و قوانين التصدير والإستيراد و الإستثمار عموما و الإعفاءات الضريبية والحدين الأدني و الأعلي للأجور والمفروض أن تكون قد تشكلت فرق من الإقتصاديين و القانونيين و العاملين في المجال الإقتصادي لمحاكمة ( فحص و تقييم ) كل هذه القوانين و إجراء التغييرات اللازمة عليها.
وفي مجال الخدمات العامة كالتعليم و الصحة و النقل و المواصلات ترسانات من القوانين التي كرست تدهور هذه الخدمات و خصخصتها مما حرم الشعب من الإستفادة منها وجعل التمتع بها قاصرا علي القادرين علي شرائها وهي في حاجة أيضا للفحص و التغيير .
ينطبق نفس الشيء علي مجالات الثقافة والإسكان والتعيينات في الوظائف الحكومية .... الخ,
وفي رأيي أنه لو لقي النظام بالمعني الذي حددته اهتمام الثوار و المجلس الأعلي للقوات المسلحة و الحكومة وتم إجراء التغييرات الأهم عليه لشعر المواطنون بالتغيير و لطرأ تحسن علي أحوالهم المعيشية و لجاءت الموازنة الجديدة للدولة علي نحو مخاف لما كانت عايه إبان حكم مبارك و رجاله ولتحقق استقرار مشجع عل الإنتاج و التنمية .
إن أهم مطلب من مطالب الثورة : إسقاط النظام لم يتحقق بل و مسكوت عنه حتي الآن ولا يمكن الرد بالقول أن هذه مهمة مجلس الشعب الذي ستأتي به الإنتخابات و مهمة الرئيس القادم ذلك أن هذا النظام الذي لم يسقط هو الذي سيحدد وفقا لقواعده و أهدافه تكوين و طبيعة هذا المجلس و أيضا نوعية الرئيس القادم بما يضمن استمرارية النظام مع تغيير الأشخاص . وفي رأيي و رأي الكثيرين غيري أنه لا داعي للعجلة في إجراء الإنتخابات والعمل الدؤوب والمكثف علي وضع أسس النظام الجديد ليحل محل النظام الذي ثار الشعب لإسقاطه وبالطبع يصبح من الضروري وفقا لهذا المنطق أن يكون الدستور أبو القوانين كلها أولا.
نشر بجريدة العربى الناصرية عدد 7 أغسطس 2011
0 التعليقات:
إرسال تعليق