علم اجتماع الثورة
نحو علم اجتماع ثوري في العالم العربى

الاثنين، 19 مايو 2008

لماذا نقتل أنفسنا؟

ثلاثون ألف مصري‏(‏ بين قتيل وجريح‏)‏ تسيل دماؤهم كل عام علي أسفلت الطرق في أنحاء الجمهورية‏,‏ أي حوالي مائة قتيل وجريح كل يوم‏(‏ كما لو كنا في حالة حرب‏),‏ فضلا عن خمسة مليارات جنيه خسائر سيارات مهشمة ونفقات علاج للمصابين وتعويضات تدفع للضحايا وساعات عمل مفقودة‏,‏ يضاف إلي ذلك تكلفة أحداث الشغب والعنف التي بدأت تتكرر عند مصرع مواطنين من أهالي القري الواقعة علي الطرق السريعة في الآونة الأخيرة‏.‏إنها كارثة مأساوية بكل معني الكلمة ولابد من وضع نهاية وحد فوري لها‏.‏فما من أحد منا إلا ويشعر بالخوف علي حياته وحياة أهل بيته كلما غادر بيته كل صباح إلي أي مكان يذهب إليه‏,‏ ففي كل خطوة علي الطريق تتربص كمائن الخطر والقضاء علي الحياة بكل منا‏,‏ لا فرق في ذلك بين وزير وخفير‏,‏ أو غني وفقير أو امرأة أو رجل أو طفل أو عجوز‏.‏إن جميع طرقنا سواء خارج المدن أو داخلها تعاني فوضي ضارية لا مثيل لها في أي بلد من بلدان العالم ويشي حالها بسيادة الاستهتار واللامبالاة والتسيب واهدار آدمية الإنسان‏,‏ مع سبق الإصرار والترصد‏.‏ وإلا كيف نفسر اختفاء الأرصفة من شوارع المدن وإجبار المشاة بمن فيهم الأطفال والعجائز علي السير في نهر الشارع وسط السيارات‏,‏ وانعدام خطوط عبور المشاة في كل الشوارع وبخاصة أمام المدارس والمعاهد وعلي الطرق السريعة وإجبار المشاة علي الجري أمام السيارات والقيام بحركات بهلوانية لتفادي القتل والإصابة؟وكيف نفسر انتشار الحفر والمطبات التي تجبر السائقين علي التأرجح بالطرق لتفاديها مما يشكل خطرا علي غيرهم؟وكيف نفسر غياب لافتات تحديد السرعة عن جميع شوارع مدننا وعن معظم الطرق السريعة؟وماذا نقول عن ترك السائق المستهتر والمتهور يقود سيارته بسرعة مجنونة في عكس الاتجاه علي الطرق السريعة دون أن يتصدي له أحد وتركه يقتل الآخرين والاكتفاء بتسجيل رقم سيارته لكي يدفع غرامة عند تجديد رخصته بعد عام إن كان علي قيد الحياة‏.‏وماذا نقول عن شق الطرق الدائرية والسريعة مخترقة التجمعات السكنية دون إقامة أنفاق أو كبار علوية لعبور المشاة؟وبماذا نعلل وقوف السيارات وأوتوبيسات النقل العام في عرض الطريق وبعيدا عن المواقف لنزول وصعود الركاب وتحركها أثناء صعودهم ونزولهم معرضة حياتهم للخطر؟هل رأي أحد منا سيارة شرطة تلاحق سائقا متهورا لتوقفه قبل أن يرتكب جريمة قتل عشرات المواطنين؟هل رأي أحد منا السيارات تفسح الطريق لسيارات الإسعاف والحريق لكي تنطلق مستجيبة لاستغاثة مريض أو مواطنين تهددهم النيران أو الجريمة ويكون لكل ثانية من الوقت قيمتها في فقدان أو انقاذ الأرواح؟وإذا كانت حياة البشر رخيصة إلي هذا الحد فمن الطبيعي أن تكون آدميتهم وهم أحياء أبعد ما يكون عن الاهتمام وإلا بماذا نفسر انعدام دورات المياه العمومية من جميع أنحاء الجمهورية مما يجبر المواطنين علي التصرف كالحيوانات‏,‏ وبماذا نفسر غياب لافتات أسماء الشوارع أو أرقام المنازل في مدننا مما يضيع وقت المواطنين في التوهان بل يسهم في تعطيل المرور ووقوع الحوادث‏.‏إنني لا أحمل مسئولية القتل اليومي الجماعي للبشر‏(‏ لا تخلو الجرائد كل يوم من نبأ مصرع عشرات المواطنين في الحوادث‏)‏ لأحد معين ولكن المسئولية تقع علينا جميعا لإهمالنا أو لسكوتنا عن الإهمال‏.‏ كلنا متواطئون في جرائم قتل أنفسنا وليس لنا عذر في ذلك علي الإطلاق‏.‏إن لدينا أكفأ مهندسي الطرق ومخططيها ولدينا أكفأ ضباط شرطة‏,‏ ولدينا عقول جبارة قادرة علي حل أعصي المشكلات‏(‏ مثل تجريف خط بارليف وعبور القناة‏).‏ ولدينا المستثمرون ورجال الأعمال بملياراتهم التي يمكن أن يسهموا ببعض قليل منها حفاظا علي أرواحهم وأسرهم ومواطنيهم‏.‏ ولدينا المواطنون الطيبون الذين يلتزمون بالنظام إذا ما وضع لهم‏(‏ كما يحدث في مترو الأنفاق‏)‏ولدينا المسئولون الذين سافروا للخارج وشاهدوا حال الطرق ونظم المرور واحترام آدمية الإنسان هناك‏,‏ ولدينا أكفأ المشرعين القادرين علي وضع التشريعات الملزمة لجميع الهيئات والمواطنين حفاظا علي الأرواح‏,‏ ولدينا مؤسسات المجتمع المدني كالاتحادات والنقابات والجمعيات الأهلية بكل امكاناتها‏.‏فماذا ينقصنا لنحفظ حياتنا وآدميتنا؟؟اقترح أن نبدأ فورا حملة قومية تحت شعار الحفاظ علي الحياة‏(‏ ولا أقول الرفق بالإنسان‏)‏ وفق خطة علمية مدروسة لا يتجاوز مدي تنفيذها بالكامل عاما واحدا علي أن تخضع حالة الطرق والمرور للرقابة الشعبية وذلك بتكوين جماعات تطوعية وإبلاغ الجهات المسئولة عن أي خلل بها يعرض حياة وسلامة المواطنين للخطر ومتابعة الإجراءات التي تتخذ لإصلاح الخلل‏.‏ ومن ناحية تبرز أهمية متابعة وسائل الإعلام اليومية لإنجازات الحملة القومية للحفاظ علي الحياة وعلي سلامة المواطنين والكشف عن جوانب القصور فيها‏.‏إننا جميعا نعلم علم اليقين أن مصر ستخسر ما يزيد علي الثلاثين ألف مواطن بين قتيل وجريح خلال عام من الآن‏,‏ ونعلم أيضا علم اليقين أن إنقاذ هذه الأرواح أو معظمها علي الأقل ممكن تماما لو توافرت لدينا إرادة الحياة وبدأنا فورا في اتخاذ الإجراءات العلمية والعقلانية لوقف نزيف الدماء مدركين أن التضحية بكل غال ورخيص في سبيل عدم إراقة نقطة دم واحدة مسئولية كل إنسان يعيش علي أرض هذا الوطن‏.‏إن تشديد العقوبات في قانون المرور الجديد لا يمكن أن يأتي بالنتيجة المرجوة ما لم نوفر لجهاز الشرطة جميع آليات تنفيذ القانون‏,‏ وما لم تقم كل الجهات المسئولة عن أحوال الطرق بواجبها علي أكمل وجه لجعلها طرقا آمنة للمواطنين جميعا‏,‏ ولابد من محاسبة كل مسئول يتسبب إهماله في مصرع البشر وإصابتهم علي طرقنا بتهمة القتل العمد‏.‏

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حقوق الملكية الفكرية

Copyright Disclaimer
This site does not store any files on its server. We only index and link to content provided by other sites. Please contact the content providers to delete copyright contents if any and email us, we'll remove relevant links or contents immediately.
تنويه عن حقوق الملكية
هذا الموقع لا يخزن أية ملفات تخص الكتب الموجودة عليه، وإنما نحن نشير فقط إلى وصلات لكتب توفرها مواقع أخرى. وإذا كان أياً من محتويات الموقع يخالف شروط الملكية الفكرية فيرجى مراسلة المواقع المخزن عليها الملفات لحذفها، ومراسلتنا لحذف الوصلات التى تشير إليها.