علم اجتماع الثورة
نحو علم اجتماع ثوري في العالم العربى

الاثنين، 19 مايو 2008

سبل تعظيم التنوع الخلاق في مصر

يتميز المجتمع المصري بالتجانس العرقي والتجانس القومي‏,‏ وهو ما لا يتوافر لكثير من المجتمعات سواء علي المستوي الأقليمي أو الدولي ـ حيث تتسم تلك المجتمعات بالتنوع العرقي والقومي‏,‏ وهما من أشد أنماط التنوع إثارة للصراع والفرقة ومن أصعبها في التعامل البناء معها‏.‏فأهل مصر جميعا تقريبا من أصل عرقي واحد‏,‏ وشكلون قومية واحدة ذات تاريخ مشترك وثقافة عامة من أهم مقوماتها التوحيد واللغة والعادات والتقاليد والأعراف‏.‏ أي أن مصر يتوفر لها أعلي درجات الوحدة القومية التي انصهرت فيها كل الأقوام الوافدة عليها‏.‏ ولهذا فشلت كل المحاولات الخارجية لتقسيم مصر كما حدث في العديد من البلدان الأفريقية والآسيوية بصفة خاصة‏.‏ويتطلب الاستثمار الأمثل للإمكانات البشرية إطلاق العنان للطاقات والامكانات الكامنة لدي كل قطاعات الشعب المصري وتحقيق أقصي درجة من التنوع الخلاق في قدراتهم الابداعية في مجالات العلم والتكنولوجيا والفنون‏.‏ إلا أن ذلك في حد ذاته يتطلب في نفس الوقت العمل علي تحقيق حد من التجانس أو التكافؤ في فرص الحياة والظروف المعيشية لمختلف قطاعات الشعب المصري بحيث تتحول أنماط من التنوع الاجتماعي من عامل معوق للنهضة والتنمية إلي عامل دافع وداعم لها‏.‏ ونعني بذلك تقليل حدة التفاوت بين قطاعات الجمهور المتنوعة علي أسس اقليمية‏(‏ الجنوب والشمال‏)‏ أو اقتصادية‏(‏ الريف والحضر من جهة والفقراء والأغنياء من جهة أخري‏)‏ أو بيولوجية اكسبت طابعا اجتماعيا واقتصاديا‏(‏ الرجال والنساء من جهة والأطفال والشباب وكبار السن من جهة أخري‏).
‏‏1‏ ـ التنوع الريفي‏/‏ الحضري والتعامل البناء معه:
من الطبيعي أن يتوزع أهل مصر علي النشاط الإنتاجي‏(‏ عصب الحياة‏)‏ ما بين الانتاج الزراعي‏(‏ في القري‏)‏ والإنتاج الصناعي والتجاري‏(‏ في المدن‏)‏ ولكن من غير الطبيعي أن يرتبط بهذا التنوع تفاوت حاد في فرص الحياة والظروف المعيشية بين هذين القطاعين من الشعب‏.‏ومما يدلل علي صحة مقولة أن تقليل حدة التفاوت بين الريف والحضر يؤدي إلي بروز التنوع الخلاق في قدرات أهل الريف أن ما بذلته الدولة من جهود خلال نصف القرن الماضي للارتقاء بالريف المصري كادخال الكهرباء وشبكات المياه النقية وانتشار المدارس والجامعات والخدمات الصحية قد أدي إلي درجة لا بأس بها من التنوع الخلاق في قدرات وإمكانات وأنشطة أهل الريف فزودوا مصر بالعديد من المبدعين في مختلف المجالات‏(‏ أساتذة بالجامعات وأدباء وفنانين ومهنيين وحرفيين‏).‏ ويحفزنا ذلك إلي التأكيد علي ضرورة الاسراع بتنمية القرية المصرية‏(‏ لا ندري أين وكيف اختفي مشروع شروق؟‏)‏ فمازالت الإحصاءات الرسمية تبين التفاوت الكبير بين الريف والحضر‏.
‏‏2‏ ـ تنوع الفقر والغني‏:‏
ارتبط تقدم الإنسانية جمعاء وتقدم المجتمعات المعاصرة بتقليل التفاوت الحاد بين الطبقات الاجتماعية‏.‏ وتتسم المجتمعات الصناعية الرأسمالية المتقدمة المعاصرة بدرجة من التفاوت بين الفقراء والأغنياء أقل بكثير من التفاوت الذي يسود مجتمعات العالم الثالث في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية كما أن التفاوت في بلدان الغرب بين الفقراء والأغنياء تفاوت كيفي وليس تفاوتا كميا كما هو الحال في بلداننا‏..‏فالتفاوت بين الفقراء والأغنياء بالنسبة للتعليم مثلا هو اختلاف في عدد سنوات الدراسة‏(‏ كمي‏)‏ وليس في الأمية‏/‏ التعليم‏:‏ كيفي‏)‏ كما أن التفاوت بينهم يكون في عدد كيلووات الكهرباء التي يستخدمونها‏(‏ وليس في انعدامها أو وجودها‏)‏ وفي عدد مرات التردد علي المسارح أو دور السينما أو المتاحف أو المصايف وليس في انعدامها أو توفرها‏...‏ الخ‏.‏ومن الدروس المستفادة في التاريخ المصري تجربة مجانية التعليم في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينيات في مصر وما حاولت الثورة تطبيقه بشعارها تذويب الفوارق بين الطبقات في الستينيات مما كان له انعكاساته الإيجابية علي الفقراء الذين خرج من بين صفوفهم العديد من علماء مصر وأساتذة الجامعات بها وأدبائها وفنانيها‏.
‏‏3‏ ـ التنوع البيولوجي‏/‏ الاجتماعي‏:
‏أ ـ الذكر‏/‏ الأنثي‏(‏ الرجل‏/‏ المرأة‏):
‏ينقسم البشر إلي ذكور وإناث مثل غيرهم من الكائنات الحية إلا أن الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يخلع أدوارا اجتماعية محددة ومتميزة ومختلفة لكل من الذكر والأنثي تؤدي إلي الإشارة إليها بلفظي الرجل والمرأة‏,‏ ويحدد المجتمع السلوك الأمثل المتوقع من الرجل والمرأة وحقوق وواجبات كل منهما والمكانة النسبية لهما بل وما هو أكثر من ذلك‏:‏ يحدد أيضا فرص لحياة المتاحة لكل منهما ودرجة امكانية التمتع بها‏.‏ ومع أن الرسالات السماوية لم ترتب علي التنوع البيولوجي بين البشر أية تفرقة بين الذكر والأنثي في فرص الحياة وحقوقهما الإنسانية إلا أن النظم الاجتماعية المختلفة خلقت تفاوتا بدرجات مختلفة بين الرجل والمرأة في فرص الحياة والحقوق الإنسانية لصالح الرجل‏.‏تثبت لنا المقارنة بين المجتمعات المختلفة مرة أخري الارتباط الوثيق بين تقدم المجتمع من جهة وتقليل حدة التفاوت بين الرجل والمرأة من جهة أخري‏.‏كما تثبت لنا المقارنة بين فترات تاريخية للمجتمع المصري أنه مع تزايد تقليل التفاوت في فرص الحياة والحقوق الإنسانية بين الرجل والمرأة تتزايد درجة التنوع الخلاق لدي النساء‏,‏ فمع ارتفاع نسبة تعليم النساء في مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين وارتباطه بتحسين أحوال الفقراء وانتشاره بالريف المصري حيث تعيش أغلبية النساء خرجت من بين نساء مصر أعداد متزايدة من المبدعات في مجالات العلم والأدب والفن وازدادت نسبة مشاركتهن في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية‏.‏
ب ـ الفئات العمرية‏:‏
يتصف المجتمع المصري بأنه مجتمع فتي‏,‏ نظرا لاتساع قاعدة الهرم السكاني بفعل ارتفاع معدل المواليد‏.‏ كما أنه يتسم بالضيق الشديد لقمته‏(‏ كبار السن‏)‏ نظرا لأن العمر المتوقع عند الميلاد في مصر مازال في حدود‏62‏ عاما‏.‏وغني عن الذكر أن الطفولة صانعة المستقبل ومن هنا فإن توفير أفضل الظروف للنمو البدني والعقلي والاجتماعي السوي لأطفال مصر سوف يوفر لها‏,‏ حين يشبون عن الطوق‏,‏ إمكانات بشرية خلاقة تتسم بالتنوع الإبداعي في كافة المجالات‏,‏ ومع أن الدولة تبذل جهودا كبيرة لتوفير التعليم الأساسي لكل أطفال مصر إلا أن نسبة التسرب من التعليم بفعل الفقر أساسا مازالت مرتفعة مما يجعلهم منبعا للأمية في المستقبل‏,‏ كما أن الجهود الحميدة التي تقوم بها السيدة سوزان مبارك من أجل الطفولة ونشر مكتبات الطفل تحتاج إلي مزيد من الدعم الإيجابي والبناء من كافة قطاعات المجتمع أملا في أن نتمكن من توفير التعليم لكل أطفال مصر وخاصة بالريف والمناطق الشعبية وتوفير الرعاية الصحية الشاملة لهم ونشر الأندية وقصور الثقافة في جميع ربوع مصر‏,‏ والعمل علي اكتشاف المواهب والامكانات الابداعية لدي أطفالنا وتنميتها منذ الطفولة المبكرة ورعايتها بعد ذلك‏.‏ أما الشباب فإن أخطر المشكلات التي تواجههم حاليا هي البطالة التي ترتبط كما تبين لنا بآفات خطيرة مثل التطرف وادمان المخدرات والعنف باشكاله المختلفة مما ترتب عليه تبديد طاقاتهم الإبداعية وإلي ظهور تنوع سلبي وهدام بينهم أي تنوع انحرافي بدلا من التنوع الخلاق‏.
‏‏4‏ ـ التنوع الإقليمي‏:
الجنوب والشمالمن المعروف أن الوجه القبلي قد عاني طويلا من التفاوت الحاد بينه وبين الوجه البحري في مصر بفعل ظروف تاريخية محلية وعالمية‏.‏ وتعكس الإحصاءات الرسمية هذا التفاوت لصالح الوجه البحري في كافة المناحي‏:‏ الاستثمار ـ متوسط الدخل ـ الانفاق علي الخدمات كالتعليم والصحة والمرافق كالكهرباء وشبكات المياه والصرف الصحي والثقافة والترفيه‏.‏ وقد أخذت الدولة حديثا علي عاتقها الاهتمام بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمختلف مناطق الوجه القبلي‏.‏وقد نجم عن هذا التفاوت طويل المدي تنوع اجتماعي سلبي ضار مثل التنوع القبلي الذي ارتبط بظاهرة الأخذ بالثأر وتنوع التطرف‏/‏ الاعتدال وتنوع الأمية والجهل‏/‏ التعليم وتنوع صور العنف‏,‏ ويمكننا ملاحظة انعكاس الاثار الإيجابية للتنمية كالتصنيع والسد العالي والتحضر وارتفاع التعليم والاهتمام بالخدمات والمرافق في مدينة مثل أسوان علي التنوع الخلاق‏,‏ فالزائر لهذه المدينة منذ نحو نصف قرن يشهد عمل المرأة وتميزها ويشهد المبدعون من أهالي المدينة وما حولها في مجالات العلم بالمعاهد العلمية بها ويشهد الفنون وازدهارها ويشهد دور أهل المنطقة في مجال السياحة‏.‏ وكما هو الحال في كافة أنحاء الجمهورية يضم الوجه القبلي إمكانات بشرية هائلة تنتظر تحقيق المزيد من فرص الحياة والظروف المعيشية الأفضل وتقليل التفاوت الاقتصادي‏/‏ الاجتماعي حتي تنطلق محققة درجات أعلي من التنوع الإبداعي الخلاق‏.‏
نشر بجريدة الأهرام المصرية عدد 12/7/2001

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حقوق الملكية الفكرية

Copyright Disclaimer
This site does not store any files on its server. We only index and link to content provided by other sites. Please contact the content providers to delete copyright contents if any and email us, we'll remove relevant links or contents immediately.
تنويه عن حقوق الملكية
هذا الموقع لا يخزن أية ملفات تخص الكتب الموجودة عليه، وإنما نحن نشير فقط إلى وصلات لكتب توفرها مواقع أخرى. وإذا كان أياً من محتويات الموقع يخالف شروط الملكية الفكرية فيرجى مراسلة المواقع المخزن عليها الملفات لحذفها، ومراسلتنا لحذف الوصلات التى تشير إليها.